درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج (6)

استكمالًا لموضوع الأسبوع الماضي حول أمراض الشتاء التي تتربص بأطفالنا وكيفية الوقاية منها.
من واقع الأجواء الباردة التي نعيشها الآن نقول: معلوم أن الإنفلونزا تعتبر أكثر أمراض الشتاء انتشارًا بين الأطفال لسهولة انتقال العدوى عن طريق العطس أو السعال أو التنفس في حالة إصابة أحد أفراد الأسرة، أو قد تأتي معظمها من خارج المنزل – الحضانة أو الروضة أو المدرسة – والتي تتطلب من القائمين على تلك المنشآت التعليمية انتباهًا ويقظة وتركيزًا لكل طفل مصاب قبل أن يختلط مع بقية الأطفال.
كما أن على الآباء والأمهات إبقاء الطفل المصاب بالإنفلونزا في المنزل وعزله على الفور؛ لكي لا ينشر العدوى لباقي أفراد الأسرة.
ومعلوم أن الإنفلونزا مرض حاد يصيب جميع الأعمار – الأطفال والكبار على حد سواء – ويسببه فيروس متعدد الأنواع والهويات، وعادة ما يحدث بصورة وبائية فيصيب أكثر من فرد في الأسرة، وينتشر بسرعة وسط الجماعات.
وبعد فترة حضانة تتراوح بين يوم وثلاثة أيام يبدأ المرض في صورة قشعريرة، وحمى تصل من 39 إلى 40 درجة مئوية، إلى جانب الضعف وآلام في العضلات والعظام، وقد يحدث معها إسهال شديد وسعال مستمران.
فإذا أصيب الطفل بهذه الأعراض، يضطر الآباء لمراجعة المركز الصحي أو المستشفى لإعطائه العلاج اللازم.
فهل هناك عقار فعال يقضي على الإنفلونزا؟
معلوم أن الطبيب المعالج يلجأ مباشرة إلى وصفات دوائية من أجل التخفيف من تلك الأعراض، لكن المفاجأة الأكثر سوءًا وخطورة هي في كومة الأدوية التي يصفها الطبيب، وخاصة المضادات الحيوية، دون النظر إلى ما قد يترتب عليها من آثار جانبية غير متوقعة على صحة الطفل في المستقبل، والتي تتمثل في نقص المناعة الخلقية والمكتسبة.
وسيلة تعامل الأطباء في القطاع الخاص مع نزلات البرد أو الإنفلونزا والأمراض الأخرى التي تصيب أطفالنا فلذات أكبادنا اقترنت بفكر مادي، وهم معروفون بكثرة وصفاتهم الطبية المختلفة، وهذا ما يثير تساؤلات حول ظاهرة الزيادة الكبيرة في الأدوية التي توصف للأطفال.
والسبب أن غالبية المرضى يحصلون على أدويتهم من صيدليات المستشفيات لامتلاكهم تأمينًا طبيًا، وللأسف الشديد – وأقولها بحرقة وألم – لدينا فوضى دوائية، وأخطرها المضادات الحيوية التي يستسهل الأطباء بها، لا سيما في علاج أطفالنا، وقد يتجاوزون أخلاقيات مهنة الطب، كل ذلك من أجل الأرباح والعمولات التي يجنونها من شركات الأدوية.
وقد يضطر بعض الآباء والأمهات في كثير من الأمور إلى رفض مثل تلك الوصفات، نعم، التعامل الواسع مع المضادات الحيوية يقلق الكثير من المترددين على المستشفيات، الأمر الذي دفع بالكثيرين إلى التوقف في مسألة إعطاء أولادهم المضادات الحيوية.
وأنا شخصيًا من هؤلاء الذين استشعروا بالخوف إزاء هذه الوصفات العلاجية؛ لقد تعرض ابني في صغره لأزمة ربوية، ترتب عليها سلسلة طويلة من العلاجات بالمضادات الحيوية دون جدوى، وصلت إلى حد العبث بقدرات الجسد الذاتية، وقد أدركت بعدها أن هذه العلاجات تشبه التجارب المخبرية.
ومما يزيد الأمر صعوبة محاولات الآباء والأمهات استبدال الطبيب بآخر، فهم يشعرون بقلق دائم وتفكير في مصير أطفالهم، لهم كل يوم طبيب جديد وفحوصات جديدة، كونهم لا يبدون ارتياحًا من بعض الأطباء إزاء وصفاتهم العلاجية.
وهنا أكرر التساؤل: هل هناك عقار فعال يقضي على الإنفلونزا؟
وأقول: لا، لا يوجد عقار فعال أو مضاد حيوي يقضي على فيروس الإنفلونزا، فهذا الفيروس لا بد أن يأخذ دورته كاملًا لأنه قوي ونشط، والعلاجات ما هي إلا عوامل مساعدة للتخفيف من أعراضه، وبالتالي لا تنفع المضادات الحيوية فيها إطلاقًا.
وليس من الحكمة أبدًا أن نعطي مرضى الإنفلونزا المضادات الحيوية، لأن أغلبهم يشفون بدون دواء.
ومن هنا فإن التعاطي مع المضادات الحيوية وبقية الأدوية لا بد أن يحمل أكبر قدر من الدقة العلمية حرصًا على صحة فلذات الأكباد، فصحتهم فوق كل اعتبار.
وللحديث بقية…
منصور الصلبوخ
أخصائي تغذية وملوثات.



