الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

عندما يعلمنا العظماء أن في لمعان الذهب صدأ وموت الروح!

هلال الوحيد · القطيف اليومالسبت 3 يناير 2026، 5:18 م
عندما يعلمنا العظماء أن في لمعان الذهب صدأ وموت الروح!

ماذا لو انفلقت لك صخرةٌ ضخمة عن لون لامع؟ رباه ما هذه الصخرة سألت؟ فإذا الصخرة من الذهب الخالص! هل تبقى على درجتك من التوازن والنقاء الروحي؟ أنا أشكّ في نفسي كثيرًا ولا أستبعد أن أسقطَ سقطةً عظيمة! كيف لا والذهب على مرّ التاريخ رمز الثروة والقوة والإنجاز؟

هذا السؤال ردني إلى ذكر بعض الشخصيات التي أعطت مثلًا أعلى في رياضة النفس على الزهد النقيّ ونفت عن نفسها صادقةً حبّ الدنيا والذهب. اخترت ثلاثة أسماء لمعت في سماء التاريخ؛ النبي محمد صلى الله عليه وآله، الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام والنبي عيسى عليه السلام:

النبي محمد صلى الله عليه وآله:
دخل على النبيّ رجل، وهو على حصير قد أثر في جسمه، ووسادة ليف قد أثرت في خده، فجعل يمسح ويقول: ما رضي بهذا كسرى ولا قيصر، إنهم ينامون على الحرير والديباج، وأنت على هذا الحصير؟ قال: فقال له رسول الله: لأنا خير منهما والله، لأنا أكرم منهما والله، ما أنا والدنيا، إنما مثل الدنيا كمثل رجل راكب مرّ على شجرة ولها فيء، فاستظلّ تحتها، فلما أن مال الظلّ عنها ارتحلَ فذهب وتركها.

الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:
بلغ الإمام علي عليه السلام أن عاملاً له في البصرة، عثمان بن حنيف الأنصاري، دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها فكتب له الإمام علي عليه السلام كتابًا طويلًا جاء في بعضه:

"فَوَاللَّهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً وَلَا ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً وَلَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً وَلَا حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبْراً وَلَا أَخَذْتُ مِنْهُ إِلَّا كَقُوتِ أَتَانٍ دَبِرَةٍ وَلَهِيَ فِي عَيْنِي أَوْهَى وَأَوْهَنُ مِنْ عَفْصَةٍ مَقِرَةٍ".

النبي عيسى عليه السلام:
في خطبة من خطب نهج البلاغة في عظمة الله وحمده وذكر الأنبياء يصف أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام النبي عيسى عليه السلام بقوله:

"وإِن شِئتَ قُلتُ فِي عِيسَى ابنِ مَريَمَ عليه السلام؛ فَلَقَد كَانَ يَتَوَسَّدُ الحَجَرَ ويَلبَسُ الخَشِنَ ويَأكُلُ الجَشِبَ، وكَانَ إِدَامُهُ الجُوعَ وسِرَاجُهُ بِاللَّيلِ القَمَرَ وظِلَالُهُ فِي الشِّتَاءِ مَشَارِقَ الأَرضِ ومَغَارِبَهَا، وفَاكِهَتُهُ ورَيحَانُهُ مَا تُنبِتُ الأَرضُ لِلبَهَائِمِ، ولَم تَكُن لَهُ زَوجَةٌ تَفتِنُهُ ولَا وَلَدٌ يَحزُنُهُ ولَا مَالٌ يَلفِتُهُ ولَا طَمَعٌ يُذِلُّهُ، دَابَّتُهُ رِجلَاهُ وخَادِمُهُ يَدَاهُ".

عندما يريد الله سبحانه وتعالى أن يعرّف البشرية علم الاستثناء يخرج لهم بين الفينة والأخرى نماذج صالحة تشق لهم الطريق وتنير له الدرب.

كيف أجادَ هؤلاء العظماء علم الاستثناء؟

في ذات الكتاب لابن حنيف يعطي الإمامُ علي عليه السلام الجواب الشافي: "وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكْبَرِ وَتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ". عرف أن ذهب الدنيا زائف زائل وذهب الآخرة حقيقة باقية: {أُولَٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۚ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا}.

ماذا بقي لنا إذًا نحن الضعفاء؟
أيضا في ذات الكتاب لابن حنيف يقول الإمام علي عليه السلام: "أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِي‏ءُ بِنُورِ عِلْمِهِ أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ".

التفاتة: للإمام علي عليه السلام كلام شيق فلسفي عرفاني واقعي تقصر الخاطرة عن جمعه، يجده القارئ في مظانه بسهولة.