أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ما كُتب على مهل

دانة الحليلي · القطيف اليومالخميس 8 يناير 2026، 9:49 ص
ما كُتب على مهل

لم يكن ذلك المساء طارئًا في هيئته،
غير أنّ القلب كان أعلم من الوقت
أن ساعة القول قد حضرت،
وأن الصمت، مهما طال,
لا يُنقذ ما استقرّ في الأعماق طالبًا الخروج.

جلستُ إليه,
وفي حضوره سكونٌ ثقيل،
كأنّ الكلمات توقّفت عند العتبة
تتهيّب الدخول.
تأمّلتُ ملامحه,
فرأيتُ إنسانًا ألفَ التماسك,
وحمل من الصبر ما يكفي ليُخفي به
ما لا يُقال.

ابتدأتُ حديثي لا استعطافًا ولا تبريرًا,
بل كشفًا لما استتر طويلًا.
قلتُ له إن قلبي لم يكن يومًا مستقيم المسار,
وإنه إذا أحبّ
أفرط حتى أضرّ,
وإذا خاف
أمسك بما يحبّ خشية الفقد.
واعترفتُ أنني أخطأت حين ظننتُ
أن صدق الشعور وحده كافٍ,
وأن القرب، مهما اشتدّ,
لا يُغني عن الفهم ولا يُنقذ من التعب.

لم أُبرّئ نفسي,
ولم أعلّق ذنبي على شماعة الأيام.
قلتُ له إن في جهلي بكيف يُصان القلب
ما أرهقنا معًا,
وإن بعض ما انكسر بيننا
لم يكن عن قلّة محبة,
بل عن إفراطها.

كان يُصغي,
وصمته لم يكن انصرافًا ولا قسوة,
بل إنصات من يُدرك
أن بعض الاعترافات
أثقل من أن تُجاب سريعًا.
وفي هدوئه
شعرتُ أن ما كان بيننا
لم يمت,
بل توقّف عند حدٍّ
ينتظر أن يُعاد النظر فيه.

*شعرتُ حينها برعشة صغيرة تمرّ في يدي وأنا أراقبه،*
*شيء يذكّرني أن قلبي حيّ وأنني أُحبّ بصدق.*

رفعتُ بصري إليه,
وقلتُ — وقد خفَت الصوت —
إنني لا أبحث عن استعادة ما مضى
كما كان,
فما مضى قد أدّى قوله،
ولكنني أؤمن أن ما انقطع
قد يُستأنف
إن تغيّر الفهم
واستقام القصد.

قلتُ له إن في القلب ميلًا
لم ينطفئ,
ورغبةً لا تُجاهر,
ولكنها قائمة كالمعرفة القديمة
التي لا تزول.
وإن وجوده في حياتي
لم يكن طارئًا
حتى يُمحى,
ولا عابرًا
حتى يُنسى.

قلتُ إنني، إن عاد الطريق,
لا أريده اندفاعًا,
ولا عودة تُشبه الهروب من الوحدة,
بل رجوعًا هادئًا
تُعرف فيه الحدود,
ويُصان فيه الودّ,
ويُحمل فيه كلٌّ منا الآخر
بقدرٍ لا يُثقِل.

لم أعده بالكمال,
فالكمال بابٌ موصد,
لكنني وعدته بوعيٍ لم يكن حاضرًا,
وبقلبٍ تعلّم من التكسّر
ما لم يتعلّمه من الطمأنينة.
وعدته أن أكون
أصدق في البقاء,
وأقلّ ضجيجًا في الحب,
وأوفى لما يُبقي القلوب سليمة.

وحين انتهى القول,
لم أطلب جوابًا,
ولم أمدّ يدي,
بل تركتُ المعنى معلقًا
حيث تُعلّق الأمور الكبيرة.
فبعض الأسئلة
لا يُراد لها أن تُجاب فورًا,
بل أن تُفكَّر طويلًا.

غادرتُ المكان
وأنا أعلم أن الرجوع
ليس لفظًا يُقال,
بل معنى يُختبر.
غير أنّ القلب,
وهو أصدق الشهود,
ما زال يعرف موضعه,
ويترك الباب
على استحياءٍ مفتوحًا.