أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

همسة في أذن أبو كرشة قبيل الشهر الفضيل

السيد ماجد الشبركه · القطيف اليومالثلاثاء 13 يناير 2026، 6:18 م
همسة في أذن أبو كرشة قبيل الشهر الفضيل

قبل يومين في مدخل أحد المراكز الغذائية، وخلال زيارة تسوقية عابرة لي، لفت انتباهي أن الممرات امتلأت بالمعلبات والمواد الغذائية على نحو يبعث على الريبة أكثر مما يبعث على الشهية، صفوف من المعلبات، وجبال من العصائر، وأبراج من الأرز والطحين، كأن المتجر يستعد لإطعام كوكب كامل، لا لشهر فضيل يفصلنا عنه نحو خمسة أسابيع فقط، في تلك اللحظة، أدركت أن رمضان لم يأت بعد، لكن عربات التسوق بدأت تستعد.

رمضان، شهر التخفف، يتحول لدينا إلى موسم تخزين استراتيجي، أشبه بخطة تموين لدولة في حالة طوارئ، فجأة تتحول الأسرة الهادئة إلى غرفة عمليات، ورب الأسرة كرشته ممتدة مترين ويقود عربة التسوق كأنه دبابة، والأم تمسك قائمة أطول من نشرة أخبار، والأطفال يضعون في العربة كل ما يلمع ويغري باسم هذا لرمضان، ولو نظرت إليهم من بعيد لظننت أن وليمة عالمية على وشك الانطلاق.

والغريب أن كل هذا يحدث بينما المخازن ممتلئة، والرفوف لا تعرف معنى انتهى، ومع ذلك، نتعامل مع المركز الغذائي كما لو أنه آخر متجر على وجه الأرض، فنشتري لا لأننا بحاجة، بل لأن العربة ما زال فيها فراغ، وكأن الفراغ في العربة جريمة يجب القضاء عليها.

ثم، بعد أيام من الإفطار والسحور، يظهر الوجه الآخر للملحمة، حاويات النفايات، تلك التي تحولت إلى معرض صامت لبقايا الولائم، أرز لم يؤكل، دجاج لم يمس، حلويات انتهت صلاحيتها وهي ما زالت تحلم بأن تلتهم، هنا فقط تكتمل القصة، رحلة طويلة من الرف إلى السلة، دون أن تمر بالمعدة.

وفي هذا المنظر، يمكن أن ترى رب الأسرة وهو يزاحم بعربة مكدسة، يبدو كأنه يخوض سباق بين الأرفف، وقد نسي أن رمضان جاء ليخفف الحمل عن الروح، وربما عن كرشته أيضًا، وبالقرب منه، تتحرك ربة البيت بين الرفوف وكأنها تؤمن احتياطيًا غذائيًا لمدينة كاملة، مع أن الشهر ثلاثون يومًا فقط، لا ثلاثون عامًا.

ليس المطلوب منا أن نحول رمضان إلى نظام قاس من الحرمان، لكن من الجميل ألا نحوله إلى مهرجان مفتوح للأكل المؤجل، فرمضان ليس شهر التخزين، بل شهر التوازن، حيث لا بد فيه أن تتصالح المائدة مع العقل، ويتصافح الجوع مع الحكمة التي لا زلنازنبحث عنها أين هي.

وقبل أن ندفع عرباتنا إلى كاشير المحاسبة، يجدر بنا أن نتذكر أن ما يزيد عن حاجتنا اليوم قد يكون أمنية على مائدة أسرة ترعاها جمعية خيرية، فالقيمة التي نرميها في سلال النفايات قادرة على صنع ابتسامة في بيت آخر، وهناك، ربما يكون رمضان أكثر صدقًا، فمن الجميل أن تمتلئ الموائد، لكن الأجمل صدقًا أن لا تمتلئ الحاويات.