أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

فجر الرسالة

السيدة حكيمة آل نصيف · القطيف اليومالسبت 17 يناير 2026، 3:56 م
فجر الرسالة

إحياء ذكرى المبعث النبوي ينطوي على توجيه وإرشاد نحو مدرسة الفكر الواعي والقيم السلوكية النبيلة وصناعة الشخصية الإيمانية الوازنة، فهو محطة يتوقف عندها الإنسان لإعادة ترتيب أوراقه ومحاسبة نفسه لاكتشاف مواطن التقصير والزلل، فتلك الإضاءات المحمدية حملت معها قيمًا أخلاقية رفيعة رفعت من مكانة الإنسان وحافظت على كرامته وعزته وشرفه.

إن المبعث النبوي حدث تأسيسي متجدّد يُراد له أن يتجسّد في الوعي والسلوك فردًا ومجتمعًا، وإحياء قيم المبعث يبدأ من الداخل بتجديد العلاقة بالله تعالى عبر المعرفة والخشية والعبادة الواعية، وعلى المستوى الفردي يتحقق الإحياء عبر تبنّي أخلاق النبوة كالصدق والرحمة والصبر وضبط النفس ومجاهدة الأهواء، مع جعل القرآن ميزانًا للتفكير والتصرّف لا مجرّد نصّ يُتلى وتحويله إلى مجرد قراءة حروف، كما يقتضي ذلك تنمية العقل والنقد والتأمل لأن المبعث كان انتصارًا للعقل على الخرافة.

ويتعمّق الإحياء أيضًا في تصحيح النيّة وجعل العمل عبادة ومعنى، بحيث يتحوّل السعي اليومي إلى طريق نحو الكمال الإنساني لا مجرّد بحث عن المنفعة، فيصبح الإنسان رسولًا للقيم في بيته وعمله ومعاملاته وعلاقاته، فإن قيم المبعث تُحيى بإقامة العدل ونبذ الظلم بكل صوره؛ لأن الرسالة المحمدية جاءت لتحرير الإنسان من الاستعباد والاستبداد، كما تُحيى بتعزيز الأخوّة والتكافل ورأب الصدوع ومقاومة العصبيات التي مزّقت المجتمع الجاهلي قبل الإسلام.

ويستلزم الإحياء كذلك ترسيخ قيمة العلم والتعلّم وبناء ثقافة تحترم الدليل والحوار لا الإقصاء، فالنبي (ص) علّم بالحكمة والموعظة الحسنة والكلمة الصادقة وبناء القناعات بالبراهين والأدلة، كما يقتضي ذلك حماية كرامة الإنسان بصرف النظر عن لونه أو طبقته أو انتمائه بما يصنع لوحة جميلة للحمة الإنسانية بعيدًا عن الهويات.

ومن مقوّمات الإحياء الاجتماعي أيضًا خدمة المحتاجين ومشاركتهم وجدانيًا وتقديم ألوان العطاء والتكافل بحسب الإمكان، وجعل التنمية الأخلاقية موازية للتنمية المادية لأن مجتمعًا بلا قيم هو مجتمع بلا روح.

تمثّل البعثة النبوية منعطفًا مهمًا في التاريخ البشري وامتداده عبر الأجيال المتلاحقة، فقد كانت تحوّلًا وجوديًا ومعرفيًا وأخلاقيًا شاملًا، ونقطة مضيئة بما تحمله من قيم تتوافق مع الفطرة السليمة وتحرك العقول الرشيدة، ومدعاة للحفاظ على الكرامة الإنسانية والحفظ من السقوط في وحل النقائص والمعايب، وإن إحياء المبعث الشريف في جوهره هو تحويل الرسالة إلى نمط حياة: عبادة تُهذّب وأخلاق تُنقّي وعدل يُنظّم ورحمة تُؤلّف وعلم يُنير، وبذلك يتحوّل المبعث من ذكرى في التقويم إلى نبض حي في ضمير الفرد ووجدان الأمة وذكرى تبعث الهمم والإرادات التي تواجه مختلف التحديات والمشاكل.