أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

(1) كما اختليتُ مع الذنب فاختلِ مع الله مستغفرًا منيبًا

الشيخ حسين البيات · القطيف اليومالإثنين 2 فبراير 2026، 9:40 م
(1) كما اختليتُ مع الذنب فاختلِ مع الله مستغفرًا منيبًا

إنّ الكثير من الأدعية التي نقرأها في أشهرٍ معيّنة من السنة نعيش مع أجوائها الروحانية وجمالها خلال تلك الفترة، حتى إذا انتهى الشهر قلّما نعود إليها، إلا على نحو الشوق إليها ونقتبس بعض أجزائها وجملها المثيرة لأنفسنا، وإلا فغالبًا نحرص على قراءتها في أوقاتها، وأصبح فهمنا منحصراً في خصوصيتها بذلك الشهر لا غيره. وهذا صحيح لبعض الأدعية المختصة بوقتٍ معيّن أو مناسباتٍ معيّنة، ولا إشكال في قراءتها في أوقاتٍ أخرى، لاسيما إذا كان الإنسان يأنس بها أو ببعض جملها.

وقد يُشكل قراءتها على نحو الورود الاستحبابي في وقتٍ غير ما وردت فيه لشبهة التشريع فيما إذا كانت مقيّدة بزمنٍ أو مناسبةٍ معيّنة، وأمّا إذا قُرئت كدعاء دون تقييدها بزمن فلا إشكال ولا مانع ولو على نحو الرجاء. وكذلك إذا وردت في مناسبةٍ معيّنة فلا يعني التقييد بذلك، وهذا ما ينبغي تتبّعه علميًا، وكذلك ينبغي أن نستوعبه جيدًا أنّها واردة بنصٍّ معيّن، ومع الاطمئنان بثبوتها فلا يصحّ التصرّف في حقيقتها أيضًا، وإن أمكن قراءتها على نحو المحاكاة لا الورود، كما إذا كان الدعاء للداعي المنفرد فإنّه سيقرأه جمعًا إن كان مع عموم الناس، كما في قولنا: «ومن أرادني بسوء فردّه»، فقال الداعي: «ومن أرادنا بسوء فردّه» على نحو الجمع.

إذن لا مانع من قراءتها في أوقاتٍ أخرى ولو على نحو رجاء المطلوبية.

والأمر الثاني تفوتنا معاني كثيرٍ من الكلمات التي نكرّرها، ويغيب عنّا كثيرٌ من مضامين تلك الأدعية، وإن أنِسنا بجمالها، فإن مضامينها العالية تُحلّق بالإنسان إلى مرحلة الانفتاح الحقيقي مع الله، والأنس بالحديث معه ومناجاته، والبوح له بما يواجهه الإنسان من مصاعب وضنك وكرب وغم، ونِعم الملجأ إليه، فـ «وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ».

ولعلّنا حينما نتوجّه إليه –سبحانه– نجعل حديثنا حديثًا حقيقيًا موجّهًا إليه، كما لو كنت تتحدّث مع صديقٍ لك تفرغ له ما في نفسك، وتبثّ له همومك، وتشكو إليه ظلم الآخرين لك، وكفى بالله حسيبًا.

لعلّنا لا نمارس الاختلاء بالنفس مع الله فنُسمعه همومنا وضعفنا، وندعوه بقلبٍ صافٍ أن يفرّج كربنا وغمّنا، وإن في مثل تلك الخلوة من الصفاء ما يجعل الكلمات خالية من أعراض الرياء أو الخجل من التفاعل والانفعال، لاسيما الأدعية المملوءة روحانيةً ومكاشفةً مع الباري سبحانه، كالمناجاة الشعبانية ودعاء أبي حمزة الثمالي، وعباراتٍ روحانيةٍ عظيمة نجدها في بطون أدعيةٍ كثيرة.

وربما نضيف إلى حالة الصفاء النفسي استذكار الذنوب والاستغفار إلى الله، لاسيما إذا كانت في حالة اللهو والتيه أو حالة ظلم الناس، والتي نقتصر غالبًا على مجرّد الاستغفار، وهذا غير كافٍ، خصوصًا إذا أسقطنا مؤمنًا صالحًا لغيرتنا وحسدنا وبغضنا له، فإن الجرح العميق الذي نسبّبه له لا يضمده مجرّد استغفارٍ عابر، ونحن نقدر على إعادة عافيته الاجتماعية والأسرية إليه.

إنّنا أمام النصف من شعبان، ليلته ونهاره، فإنّها الليلة الثانية رتبةً بعد ليلة القدر، وفي النصف كما جاء في النبوي: «هذه ليلة النصف من شعبان، فيها تُقسم الأرزاق وفيها تُكتب الآجال». فلنحرص على العبادة وإصلاح النفس، والتعهّد بمراعاة طاعة الله والابتعاد عن معاصيه، أو جرح الناس بالكلام السيئ أو الغيبة، أو التهاون في صلة الرحم فضلًا عن قطيعتها.

إنّها ليلةٌ عظيمة، فلننتهز الفرصة بالإخلاص في العبادة له سبحانه، والاستغفار، وإعادة حقوق الناس، ولنعمل حتى ليلة القدر بإخلاصٍ لتُثبت في اللوح المحفوظ سنةً مملوءةً بالارتباط بالله وطاعته.

نعود لنعيش مع دعاء شجرة النبوّة والمسمّى بدعاء الصلوات إن شاء الله تعالى.