أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
مفقودات وموجودات

من عبق الماضي.. تربية الحمام في ذاكرة القطيف

حسن آل ناصر · القطيف اليومالخميس 19 فبراير 2026، 2:58 م
من عبق الماضي.. تربية الحمام في ذاكرة القطيف

كانت تربية الحمام واحدة من الهوايات التي ارتبطت بحياة الناس اليومية، وشكّلت مشهدًا مألوفًا من مشاهد الأسطح العامرة بالحياة في ذاكرة القطيف القديمة. ولم تكن الهواية حكرًا على فئة دون أخرى، فقد أحبّها الصغير قبل الكبير، وتوارثها الأبناء عن الآباء حتى أصبحت جزءًا من ملامح الحي وروح المكان وتعاون الفريق. وكان هذا المنظر يعبّر عن بساطة العيش وألفة الجيران.

في تلك الأزمنة لم تعرف بيوت القطيف الأقفاص الحديثة أو المحاكر الضيقة، بل كانت تُصنع للحمام بيوت خشبية واسعة تُعرف محليًا باسم “الصنادق”، وكانت تُقام فوق أسطح المنازل الطينية أو الحجرية، حيث الهواء الطلق والشمس الدافئة، لتكون مأوى للحمام ومركزًا لانطلاقه. وفي كل يوم تبدأ الحكاية التي ينتظرها المربّون مع إشراقة كل صباح أو قبيل الغروب.

وقد عُرفت في القطيف أنواع عديدة من الحمام، ولكل نوع اسمه الذي يتداوله الهواة وخبراؤه، مثل (حمام الياهو، والزاجل، والسفاقي، والقطني، والهندي، والبغدادي، والغليه، والعرب، والصنعاوي، والمكاوي، والقلابي)، وغيرها من الأنواع التي كانت تُجلب أحيانًا عبر البحارة والتجار القادمين من موانئ الخليج والهند والعراق، فتختلط السلالات كما اختلطت الثقافات التي مرّت على المنطقة عبر تاريخها البحري والتجاري.

وكان المشهد الأجمل يتجلّى حين يصعد المربّي إلى سطح منزله فيطلق حمامه في السماء، فتتحول أجواء الحي إلى لوحة حيّة من الحركة والتناغم؛ أجل، أسراب تحلّق في دوائر واسعة فوق بيوت “الفريق”، تنتقل من بيت إلى بيت ومن “صندقة” إلى أخرى. وبينما يقف الصبية في الأزقة يرفعون رؤوسهم لمتابعة الطيران بإعجاب، كانت الأسراب تعرف حدودها ومساراتها، وكأن بينها وبين المكان عهدًا خفيًا لا ينقطع.

وكان أهل القطيف يرددون قولهم: “الحمام عادن على المكان”، أي أنه ألف موطنه واعتاد عليه، فلا يضيع طريقه مهما ابتعد في التحليق؛ تراه يعود عند المساء إلى “صندقته” فوق السطح، وكأنه يحمل ذاكرة تحفظ تفاصيل البيوت وروائحها وأصوات أصحابها.

ولشدّة تعلّق أهالي القطيف بالطيور، وخاصة الحمام، نشأ لهم سوق خاص يجتمع فيه الهواة والباعة، وكان يُقام صباح يوم الخميس بالقرب من سوق الخميس القديم، ليغدو موعدًا ينتظره المربّون أسبوعًا بعد آخر. ومع تغيّر الأيام انتقل موعده إلى يوم السبت، وظل الاسم القديم حاضرًا كما هو، شاهدًا على ذاكرة المكان التي لا تتبدل بسهولة. ولم يقتصر هذا الشغف على هذا السوق وحده، بل عُرف كذلك سوق للطيور في محافظة القطيف يُقام يوم الجمعة في مدينة سيهات، يجتمع فيه عشاق الطيور لتبادل الخبرات وبيع الأنواع المختلفة. وكل ذلك يعكس مدى ارتباط أهل القطيف بتربية الحمام، وتلك الهواية التي سكنت قلوبهم ومثّلت شغفًا مشتركًا عاشه الصغار والكبار جيلًا بعد جيل.

في القطيف كانت السماء جزءًا من الحياة اليومية، لا تُرى فقط بل تُعاش بكل تفاصيلها مع كل سرب يحلّق فوق البيوت القديمة. نعم، كانت تربية الحمام حكاية مودّة بين الإنسان ومكانه، وموعدًا يوميًا تنتظره العيون قبل القلوب. ومع عودة الطيور إلى صنادقها عند الغروب، كانت الحارات تستعيد هدوءها، وكأن النهار يطوي صفحة من الفرح البسيط. واليوم، ورغم غياب تلك المشاهد، ما زالت القطيف تحتفظ في ذاكرتها وعبق ماضيها بصورة الحمام المحلّق، رمزًا لزمن صافٍ كانت فيه الحياة أخف، والناس أقرب، والذكريات أصدق بقاءً من الأيام نفسها.

بلدات:القطيف