أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ما عندي وقت؟!

فاطمة البدن · القطيف اليومالأحد 22 فبراير 2026، 10:09 ص
ما عندي وقت؟!

من حكمة الله أن دفة الزمان بيده، وأهدانا وقتًا متساويًا في يومنا، لا يفرّق فيه بين الصغير والكبير، ولا الفقير والغني، ولا صاحب الأعمال والعاطل.

فلماذا إذن نرى تفاوتًا في الإنجاز حين نقارن الناس؟

حين نرى المنجزين، نجد أن كفة إنجازاتهم هي من تتحدث، لا هم من يضيّعون الوقت بالحديث عنها أبدًا. وبالكفة الأخرى من يتذمّر من قلة الوقت، وأنه لا يستطيع إنجاز شيء، وهو لا يدرك أن الوقت الذي يقضيه بالتذمر كافٍ لإخراج منجزات عديدة.

ولا تقل لي إن أصحاب الإنجازات هم أناس عاطلون عن العمل ليكون الوقت لديهم متسعًا أبدًا؛ فمنهم من يعمل ويدرس في الوقت نفسه ويسجل إنجازًا كذلك. فليس الانشغال بالعمل أو الدراسة أو الأولاد هو السبب؛ لأن كل هذه الأسباب لم تكن عقبة لدى أصحاب الإنجازات.

إدارة الوقت مهارة قد لا يتقنها الكثير، فهناك من يسلّم وقته للآخرين ليديروا له أيامه من دون أن يقول لهم «لا»، فيضيع الوقت هباءً منثورًا على «سوالف» لا تُسمن ولا تغني من جوع، وليس بها ثمرة أبدًا، بل ربما تجلب له ذنبًا يحتاج التحلل منه.

نحن في زمن نحتاج فيه إلى تربية أنفسنا وترويضها؛ لأن مصرعها أمام الأهواء والرغبات المريحة قد لا يحتاج منها حتى إشارة، بل إيماءة لتستجيب لها طواعية ودون ممانعة أو تعذّر.

عبارة جميلة وقعت عيني عليها بالأمس مفادها: «لا تقارن موسم بدايتك بموسم حصاد الآخرين».

لا شيء يأتي بالسهولة، وربما كان الآخرون في البداية أيضًا يقولون: ليس لدينا وقت، إلى أن روّضوا أنفسهم ليكون هناك حقًا وقت لأنفسهم وتحقيق ذواتهم على الصعيد الديني والمهني والثقافي والأخلاقي وغيره.

الذين تراهم ملتزمين بصلاة الجماعة أو حفظ القرآن وتلاوته أو عمل الخير، ليسوا متقاعدين أو عاطلين عن العمل فقط؛ فهناك من يحرص على حضور المساجد ومجالس الذكر وأعمال التطوع الخيرية، ويغيثهم الله بالتوفيق للاستمرار وإفساح وقت لذلك مهما كثرت انشغالاتهم.

اليوم سُعدت وأنا أرى مقطعًا لطفل في الرابعة من عمره يحفظ عددًا من أجزاء القرآن. حقيقةً، هذه المقاطع تكون حجة علينا ونقطة خجل؛ فالطفل الذي نسميه طفلًا ربما لم يلتحق بقاعات رياض الأطفال، ومع هذا فهو كبير بحفظه أكثر منا بالقرآن!

فما هو جوابنا غدًا حين يُقال لنا: «اقرأ وارقَ»، ونحن لا نحفظ إلا القليل من قصار السور؟ فكيف ترتفع درجاتنا وننفّذ وصية الإمام الصادق (عليه السلام) الذي قال:
«عليكم بتلاوة القرآن، فإن درجات الجنة على عدد آيات القرآن، فإذا كان يوم القيامة، يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارقَ، فكلما قرأ آية يرقى درجة».

فكم في ذاكرتنا من مخزون من سور أو آيات القرآن؟ وكم أعطينا القرآن من وقت لنحفظه أو نتدبر فيه؟

هل هناك قصور في المراكز القرآنية وتوفرها؟ أم المشكلة في تقصيرنا نحن؟

لا تقل لي إنك لا تعلم أن ضغطة زر واحدة في محركات البحث تعلمك وأنت في بيتك، وأنت في فراغك أو عملك أو على مقاعد الانتظار. صحيح أن التعليم الحضوري مع معلم مطلوب لتقويم أي خطأ، ولكن هناك فعلًا من تعلّم واستفاد من البحث في الهاتف وتخرج منه متعلمًا ومتقنًا؛ فقط لأنه كان لديه إرادة للتعلم وعزيمة لتحقيقها. إضافة إلى أن التعلم عن بعد موجود في قنوات التواصل لمن أراد واقعًا.

لكن للأسف، هناك من يريد إلقامَه اللقمة مباشرة دون أن يحرك نفسه لتلقيها؛ فهو مثل ذاك الذي يريد أن تُفرش له السفرة الرمضانية بمأكولاتها ليهمّ بالأكل فقط، ويعلّق عليها بشدة كقاضٍ يقاضي انخفاض أو زيادة الملح أو السكر أو البهار، دون أن يساعد بشيء يُذكر.

نحن نريد إتقان قراءة القرآن وحفظه دون أن نسعى حقيقة لذلك، ولا توجد فرصة سانحة كشهر رمضان لإنشاء علاقة جديدة مع القرآن؛ لأنه موسم ربيعه. لنغيّر موضعه من مجرد قرآن نحمله للحفظ أو قرآن يُتلى في مناسبات الموت، لذلك لا نستغرب إن كان البعض بات يخاف حين يسمع صوت القرآن لأنه سيعرف أن هناك حالة وفاة.

القرآن ليس للموتى فقط، بل هو كتاب حياة متجدد يكسو قارئه الحياة، حتى لو كانت كلماته ثابتة لم تتغير منذ أُنزل على نبينا محمد (ص)، لكن إعجازه أنه يتلاءم مع كل زمن، لأن فيه خارطة الوصول للجميع.

بدفترك، اكتب يومك بالأوقات، واكتشف من يستنزف وقتك ويبعدك عن حياة القرآن وربيعها، لتقول بعدها: «ما عندي وقت».

أعلم أن كلامي ربما يكون طويلًا على من ليس لديهم وقت، لكن أعلم أيضًا أن الكثير يميل لفقرة المسابقات. لهذا، في يومنا الثاني، أعطني ربع ساعة فقط، وربما أقل من وقتك، أسألك بعدها: هل تتسابق وتعمل وتستفيد بما في قرعتك هنا؟

https://pickerwheel.com/?id=w78h3