درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج (14) «خاص لمرضى الأنيميا المنجلية - 1 -»

وبادئ ذي بدء، فإن حديثي معكم أعزائي القراء ليس حديثًا عن نفسي، لكنني أجد نفسي مجبرًا أن أبدأه ببضع كلمات نبعت من صميم التجربة والمعاناة، ومن تحت ما يُسمّى “تجربتي الحياتية”، كوني من الأشخاص الذين عانوا نوبات فقر الدم المنجلي ولا أزال. وعلى الرغم من ذلك، لم أتناول علاجًا دوائيًا منذ أكثر من أربعين عامًا.
في الواقع، إن ما أشاهده اليوم من حالات اعتلال على شكل آهات وونات وتأوّهات تخرج من أعماق القلب يصيبني بالحزن والإحباط، وما يثير غثياني – حتى وأنا أكتب الآن – أن هذا الاعتلال ليس له علاج قاطع؛ فلن يكون بمقدور الأطباء أن يقوموا بالكثير، إذ لا يوجد عقار يمكن أن ينهي الأزمة بشكل كامل. ولهذا تتركّز مسؤوليات الطبيب الملحّة في تخفيف النوبات أو المضاعفات لا القضاء عليها.
ويتلخص التدخل العلاجي في الراحة التامة، وإعطاء جرعات من الأدوية المسكنة لتخفيف حدة الألم وتطور الأعراض، ومعالجة الالتهابات إن وجدت، وكذلك وصف بعض المكملات الغذائية الدقيقة لتعويض نقص الحديد مثل حمض الفوليك وB12، وإعطاء العلاج الوريدي لتعويض نقص السوائل والأملاح والجلوكوز وفقر الدم. وقد يحتاج المريض في الحالات الشديدة إلى إدخال أنبوب الأكسجين عند حدوث صعوبة في التنفس.
ومن المفيد أن نذكر أن استخدام عقار “الهيدروكسي يوريا” قد أدى إلى تخفيف الألم وخفض عدد النوبات الانحلالية الدموية بنسبة 50%، لكنه يظل عقارًا لتحسين الحالة وليس علاجًا شافيًا؛ فالمريض لا يزال يعاني نوبات الألم المتكررة رغم استخدامه بجرعاته القصوى ولمدة طويلة، ولا يمكن في هذه الحالة تلافي الآثار الجانبية التي قد يتعرض لها نتيجة الاستخدام المفرط للعقاقير الكيميائية. ولا يُعطى الدم إلا في حالات نزول نسبة الهيموجلوبين إلى أقل من 6 غم/دل لتعويض المفقود منه.
هذه هي نظرة الطب الحديث بوصفها الوسيلة الوحيدة للعلاج، وعلى الرغم من اتساع دائرة البحوث الطبية المتقدمة والاكتشافات المدهشة في مختلف الحقول، وليس أقلها حقل الجينات، نجد العلماء والأطباء عاجزين عن إيجاد علاج يوقف هذا الاعتلال الذي ما زال يحصد أرواح المصابين وهم في عمر الزهر على مرأى ومسمع من أطبائهم المعالجين.
نحن لا نقول إننا أطباء، ولكن يحق لنا – كذوي ثقافة صحية – أن نتساءل عن غياب الدور الغذائي والسلوكي في العلاج. هناك العديد من الوسائل الطبيعية التي تساعد على مواجهة الأمراض وأعراضها المختلفة، كما تساعد في حالات دقيقة على معالجتها. فقد ثبت أن الأغذية الطبيعية هي أساس الكيمياء، ومن ثم فإن لديها القدرة على تعويض النواقص الفسيولوجية، فلماذا نتجاهلها؟
ومن غير الممكن اتباع علاج طبي، مهما يكن نوعه، دون أن نتبع نظامًا غذائيًا مناسبًا. نحن لا نملك إلا الأدوية فقط، ولا نعرف إلا الذهاب إلى الطبيب! إنني أستغرب عندما لا أجد أي دور للإدارة الغذائية والسلوكية في الطب الحديث؛ إذ نجد عددًا من الأطباء لا يهتمون أو يسألون عن سلوك المرضى، ولا يستفيدون من اختصاصيي التغذية. ويمكن معالجة العديد من الأمراض من دون أدوية عن طريق تغيير أنماط الحياة واختيار الغذاء الصحي.
لقد ظهرت التغذية العلاجية كضرورة ملحة، ولكن للأسف الشديد نرى معظم المرضى يتناولون يوميًا من 5 - 10 كبسولات، وهناك مرضى يتناولون أكثر من ذلك، وهذا يعني سلطة الدواء على الغذاء، فكيف نفهم ذلك؟
ومن هنا لا بد أن تكون علاقة اختصاصيي التغذية مع الأطباء علاقة تكاملية لضمان أفضل النتائج في العلاج. إن إحدى مشكلاتنا الصحية التي يجب حلها هي الاعتماد على الأدوية دون اللجوء إلى الطرق الغذائية؛ وهذا ما دفعني، دون تردد كبير، إلى تقديم شيء من مشواري مع رحلة الألم والمعاناة… وللحديث بقية.
منصور الصلبوخ
اختصاصي تغذية وملوثات



