أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

أبو العريف…

عبد الله آل نوح · القطيف اليومالأحد 15 مارس 2026، 9:58 ص
أبو العريف…

في كل مجلس تقريبًا، لا بد أن يظهر ذلك الشخص الذي يعرفه الجميع باسم “أبو العريف”؛ الرجل الذي لا يتردد في الحديث عن أي موضوع يُطرح. ما إن يُذكر خبر إلا وكان لديه تفسيره، وما إن يُطرح سؤال إلا وجاهزته الإجابة. يتحدث في الاقتصاد بثقة الخبير، وفي الطب بلسان الطبيب، وفي السياسة وكأنه صانع قرار، وفي التربية كأنه صاحب نظرية متكاملة. لا يتوقف، ولا يتردد، ولا يقول يومًا: لا أعلم.

هذه الشخصية قد تبدو في ظاهرها واسعة الاطلاع، لكنها في كثير من الأحيان تعكس ظاهرة أعمق في المجتمع؛ ظاهرة الجهل حين يتخفّى خلف الثقة الزائدة. فالإنسان الذي يظن أنه يعرف كل شيء، يكون في الغالب قد أغلق على نفسه باب التعلّم دون أن يشعر.

المعرفة الحقيقية لا تُنتج هذا النوع من اليقين المطلق، بل تصنع تواضعًا في الفهم. فكلما ازداد الإنسان علمًا، ازداد إدراكه لحجم ما يجهله. ولذلك كان العلماء عبر التاريخ أكثر الناس تحفظًا في إطلاق الأحكام، وأكثرهم جرأة في قول الكلمة التي يهرب منها كثيرون: لا أعلم.

لكن بعض الناس يرى أن الاعتراف بعدم المعرفة يُنقص من مكانته، فيلجأ إلى تقديم إجابة سريعة حتى لو لم يكن ملمًا بالموضوع. ومع تكرار هذا السلوك يتكوّن لدى الإنسان شعور داخلي بأنه بالفعل يعرف كل شيء، بينما الحقيقة أنه يعيش في دائرة من المعرفة السطحية والانطباعات السريعة.

وقد ساهم عصر المعلومات السريعة في تعزيز هذه الظاهرة. فمجرد قراءة عنوان أو مشاهدة مقطع قصير قد توهم البعض بأنهم أصبحوا خبراء في موضوع معقد. وبينما المعرفة تحتاج إلى بحث وصبر وتراكم، أصبح البعض يكتفي بلمحة عابرة ثم يعلن رأيه بثقة كاملة.

المشكلة في هذا السلوك لا تتوقف عند حدود الشخص نفسه، بل تمتد إلى المجتمع. فحين تمتلئ المجالس بالآراء السريعة واليقين غير المبني على علم، يصبح الحوار أقرب إلى استعراض الآراء منه إلى البحث عن الحقيقة.

ولهذا يذكّرنا القرآن الكريم بحقيقة عميقة حين يقول الله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.

وهي رسالة واضحة بأن العلم لا يقف عند أحد، وأن الإنسان مهما بلغ من المعرفة يبقى أمامه الكثير ليتعلمه.

العلاج يبدأ من التواضع المعرفي؛ أن يدرك الإنسان أن السؤال لا يقل قيمة عن الجواب، وأن الاعتراف بعدم المعرفة ليس ضعفًا بل بداية طريق العلم. فالكلمة التي يخشاها بعض الناس، وهي “لا أعلم”، قد تكون في الحقيقة أقرب طريق إلى الفهم.

ولعل أخطر أنواع الجهل ليس الجهل نفسه، بل الجهل الذي يظن صاحبه أنه علم. فحين يعتقد الإنسان أنه يعرف كل شيء، فإنه في الواقع يمنع نفسه من معرفة أي شيء جديد.

ولهذا فإن الجاهل الحقيقي ليس من يجهل، بل من يظن أنه لا يجهل شيئًا.