من القديح إلى فضاء النقد العربي.. «ترويض الناقد» لمحمد الحميدي يقرأ تحولات العقل النقدي في زمن السوشيال ميديا ويعيد بناء علاقة النص بالقارئ

أعاد الناقد والكاتب محمد عبدالكريم الحميدي بناء علاقة النص بالقارئ عبر إصداره الرابع عشر المعنون «ترويض الناقد»، واضعًا ثقافة الناقد تحت مجهر التحليل، ومتناولًا ماهيتها، وتأثير البيئة الثقافية في تشكيل وعيه النقدي، وطبيعة تعاطيه مع المنجز الإبداعي، في كتابٍ يضم (29) مقالًا توزعت موضوعاتها على مجالات الثقافة النقدية والشعر والبلاغة وأسئلة القراءة الحديثة.
وتناول الحميدي التحولات التي أفرزتها منصات التواصل الاجتماعي بوصفها أحد أبرز العوامل المؤثرة في تشكيل المشهد الثقافي المعاصر، مبينًا أنها أوجدت أنماطًا جديدة في التعامل مع النصوص الأدبية كتابةً ونقدًا، وأسهمت في انتشار النصوص القصيرة مثل الشذرات والومضات والهايكو والإشارات الأدبية المكثفة، إلى جانب تسارع تداول المعلومات وسهولة الوصول إليها، مؤكدًا أن هذه المنصات أصبحت سيدة الساحة الثقافية بلا منازع.
وأشار الحميدي إلى أن هذه التحولات الرقمية تنذر بزمن ثقافي مختلف عن الأزمنة التي صنعتها تجارب المتنبي وابن الرومي وأحمد شوقي وابن المقفع والرافعي، موضحًا أن ما يجري يمثل دورة زمنية جديدة تتشكل بفعل منجزات الحضارة الحديثة وتقدم التقنيات، على نحوٍ مشابه لما شهدته الموسوعات الكبرى متعددة الأجزاء التي أفلت شمسها مع تغيّر أدوات المعرفة وأساليب تلقيها.
واستعرض الحميدي في كتابه مجموعة من الموضوعات النقدية التي عكست اتساع أفق مشروعه الفكري، من أبرزها: «الحاجة إلى النقد في السوشل ميديا»، و«المثقف المعاق»، و«عقل الناقد»، و«تحليل الثقافة النقدية»، و«ناقد ما بعد الحداثة»، و«النقد والإبداع: إشكالية أم تكامل؟»، في محاولة لإعادة بناء تصور معرفي متكامل حول وظيفة النقد وأدواته وأسئلته في السياق الثقافي الراهن.
وأوضح الحميدي الدلالة الاجتهادية التي يحملها عنوان «ترويض الناقد»، مبينًا أنه لا يشير إلى التهذيب بالمعنى التقليدي، بل إلى عملية معرفية يسعى من خلالها الناقد إلى بلوغ الفعل النقدي الرصين عبر الاستكشاف والتحليل وإعادة النظر في طرائق القراءة، بما يتطلبه ذلك من ثراء ثقافي ووعي عميق وقدرة على استيعاب النصوص واستنطاق تفاصيلها وكشف ما لم يصرّح به ظاهرها.
واستهل الحميدي إصداره بمقال «الحاجة إلى النقد في السوشل ميديا» بوصفه مدخلًا تأسيسيًا لفهم طبيعة التحولات التي طرأت على الكتابة والنقد في العصر الرقمي، مسلطًا الضوء على دور هذه المنصات في تشكيل سردية المشهد الكتابي والنقدي، وما أحدثته من انتقالات نوعية في طبيعة النصوص المتداولة وأساليب إنتاجها وتلقيها.
وأكد الحميدي في مقاله «عقل الناقد» مركزية السؤال بوصفه الأداة الأهم في بناء الوعي النقدي، متسائلًا عن بدايات تركيب الكلمات وتشكيل الجمل وتكوين النصوص، مشيرًا إلى أن الأسئلة تظل ملازمة للعقل النقدي، وأنها تمثل بوابة الدخول إلى النصوص والكشف عن طبقاتها العميقة.
واعتمد الحميدي في مقالات الكتاب منهجًا نقديًا ذا صبغة فلسفية يقوم على توليد الأسئلة بوصفها القيمة الحقيقية للفعل النقدي، مؤكدًا أن الناقد الحقيقي لا يتوقف عن إنتاج التساؤلات، لأن النصوص بدورها لا تتوقف عن إنتاج الأسئلة بقدر ما تمنح إجابات جديدة.
وجسّد غلاف الكتاب هذه الرؤية الفكرية عبر منحوتة خشبية للفنان رضا العلوي جاءت على هيئة تشكيل منحني أشبه بعقدة دلالية تتكشف تدريجيًا تحت فعل القراءة، في إحالة رمزية إلى عملية تفكيك النصوص واستنطاقها، حيث جاء الخشب بوصفه مادة قابلة للتشكيل ليعكس فكرة «الترويض» بوصفها عملية معرفية تعيد تشكيل وعي القارئ النقدي.
وأبرزت زاوية المنحوتة المائلة نحو اليسار وقربها من الحافة دلالة بصرية توحي بحركة التحليل والتفكيك التي يمارسها الناقد أثناء القراءة، وكأنها تشير إلى الإمساك بالعقد الدلالية داخل النصوص والعمل على حلّها وكشف بنيتها العميقة.
وعكست الخلفية المبنية من الطوب في تصميم الغلاف دلالة رمزية على صلابة الأساس المعرفي الذي ينبغي أن تقوم عليه الثقافة النقدية الواعية، بما يعزز حضورها بوصفها بنية فكرية راسخة قادرة على مواكبة التحولات الثقافية الحديثة.
ومهّد الحميدي، المنحدر من بلدة القديح بمحافظة القطيف، عبر هذا الإصدار الطريق أمام المهتمين بالكتابة عمومًا والنقد خصوصًا للتعرّف إلى تقنيات القراءة النقدية وأسئلتها العميقة، مقدمًا إضافة نوعية إلى المكتبة العربية بلغة ثقافية متقنة تُسهم في تجذير الوعي في التعاطي مع النصوص، واستكشاف مواطن الإبداع فيها، والكشف عن مكامن الخلل، وتعزيز حضور الثقافة النقدية بوصفها أداة فهم وتحليل وبناء معرفي في المشهد الثقافي المعاصر.




