العقل الذري للمادة

كالسمكة وقد استأنفت العوم في بحرها, نود الحديث عن فيزياء المادة الكثيفة. انا وانت قارئنا العزيز, حينما ننظر إلى قطعة حديد، أو إلى كأس ماء، أو حتى إلى ذرة غبار عالقة في شعاع الضوء، فإن أعيننا تلحظ مادةً صامتة جامدة لا تمتلك وعيًا ولا إرادة. لكن لهواة الفيزياء الحديثة راي اخر, فهم يقولون إن ما قد يبدو للوهلة الأولى انه ساكن, انما هو في الحقيقة يخفي في طياته عالما صاخبا يتفجر بالتفاعل والانتظام والتغير والحركة الجوهرية. بداخل كل ذرة، بل في قلب كل شبكة ذرية، تجري عمليات معقدة منسقة أشبه ما تكون بلغةٍ خفية تتبادلها الجسيمات فيما بينها بطلاقة واستمرار، حتى ليخيل للمتأمل أن المادة تمتلك نوعًا من “العقل التنظيمي” الذي يحفظ بنيتها ويحدد سلوكها وانفعالاتها.
وليس المقصود بالعقل هنا, ما قد يتبادر للذهن من وظائف العقل (الانساني) الواعي الذي يختار ويفكر ويقرر، وإنما نقصد بذلك النظام العجيب الذي يجعل الكون بجميع اجزاءه وذراته قادر على ترتيب "بيته الداخلي" وفق قوانينه الدقيقة التي اودعها الله سبحانه وتعالى فيه. فالإلكترونات, مثلا, لا تتحرك عشوائيًا، فهي تخضع لاحتمالات وقوانين "كمية" دقيقة، كما ان ذات الحال ينطبق تماما على الذرات حيث انها لا تتراكم فوق بعضها البعض كيفما اتفق. فتراها تنتظم في شبكات بنيوية محددة, ولكل ترتيب بلوري خصائصه المختلفة تمامًا عن التشكيل الآخر, مصداقا للآية الكريمة (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ). هيا قم بنا نتفحص سوية ذرات الكربون وسنجدها قد تكونت فحمًا هشًا، كما يمكن ان تتلألأ بين ايدينا ألماسًا صلبا. حدوث ذلك لم يكن بسبب ان العنصر قد طرأ عليه تغير جوهري فحسب, فالمادة الخام هي الكربون نفسه، ولكن لأن “طريقة الانتظام الذري” قد تبدلت, نشأت تبعا لذلك مادة مختلفة تماما (تارة فحما وتارة الماسا). ولعمري ان هذا لضرب من الهندسة الجينية للمادة.
إن فيزياء المادة الكثيفة (Condensed Matter Physics) كشفت للإنسان أن الجماعة قد تستحوذ على خصائص لا تظهر في أي من الأفراد, كلا على حدة. مع ان الإلكترون الواحد شيء بسيط جدًا، الا ان تكتل ملايين الإلكترونات داخل معدن واحد قد أنتج ظواهر مدهشة مثل المغناطيسية والتوصيل الكهربي الفائق وأشباه الموصلات. وتلك امثلة لما قد قامت عليها الثورة التقنية الحديثة. هنا يتضح ما يمكن تسميته “بالعقل الجمعي للمادة”، عندما تشكل المادة نظامًا متكاملًا, حينئذ لا يمكن فهمها بمجرد دراسة أجزاء صغيرة منها بمعزل عن دراسة "سلوك مجتمعها الذري".
وهذا التامل يتعدى حدود الفيزياء، ويتمدد ليلامس ماهية فهم الإنسان لنفسه ولمجتمعه. فكما أن الذرات حين تنتظم تنتج خصائص أعظم قدرا وفعالية ونشاطا من مجموع أجزائها، كذلك المجتمعات البشرية تتخذ منحى مماثلا. بينما يمتلك الفرد قدرة محدودة, حين تتكامل العقول والخبرات والقيم، يظهر ما يشبه “العقل الجمعي الحضاري” الذي اثبت قدرة شاخصة على البناء والإبداع والتقدم. وبالمقابل فإن انهيار العلاقات البشرية داخل المجتمع يشبه تمامًا اضطراب البنية البلورية داخل المادة. فكما تعاني بعض المواد من الهشاشة والتصدع والانهيار بسبب خلل مجهري بسيط، كذلك بنفس المنطق قد تتهاوى أمم كاملة بسبب تصدعات فكرية وأخلاقية تم اهمالها حتى بلغت حد الاستفحال (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا).
والأعجب من ذلك أن العلم كلما تعمق في المادة اكتشف أن الحدود بين “الجماد والحركة” ليست كما كان يتصور الإنسان قديمًا. فالذرات في اهتزاز مستمر (كالقلب النابض)، والجسيمات تتبادل الطاقة فيما بينها بلا توقف (كتقاذف الأطفال للكرة)، وحتى الفراغ نفسه ليس فراغًا مطلقًا، بل هو يموج (كالبحر) بالتقلبات الكمية. تميز العقل البشري بالقدرة على اكتشاف قوانين المادة, سببه كون الانسان نفسه جزء من هذا الكون المنظم. وكلما ازداد الإنسان علمًا ترسخ لديه إدراك بأن ما وراء هذا البناء الكوني تتربع دقة مدهشة تتجاوز دعاوى السخف والعبث والفوضى.
نجمل فنقول إن “العقل الذري للمادة” ليس عقلًا مفكرا فحسب، بل هو من أجلى صور النظام الكوني الذي أودعه الله سبحانه وتعالى في هذا الوجود. نظام الذرات بلغاتها، والقوانين بهندستها, كأنها قصةً مستمرة من التفاعلات والتداخلات ما بين المادة والطاقة والزمن. وحين يتأمل الإنسان هذا العالم الخفي، يدرك أن أعظم أسرار الكون قد لا تكون منحصرة في الأشياء الضخمة التي تبهر الأبصار، بقدر ما هي متجلية ايضا في تلك العوالم الصغيرة جدًا التي تحمل في طياتها مفاتيح الحضارة والحياة, بالرغم من صمتها المطبق.



