لمن يرمي قمامة سيارته في الطريق أقول: السرّ في نظافة المدن ليست جهد الكنَّاس إنما أخلاق الناس!

هل انتهت كل الخواطر والأحاديث المهمة في الحياة فلم يبق سوى الحديث عن مثل هذه الأشياء؟ لا، لم تنته الأحاديث المهمة لكن لو أتحتَ لي فرصة سوف أكمل لك الفكرة.
نعيش في عام ٢٠٢٦م، في عصرٍ مزدهر ومتطور فمن المتوقع أن سلوكنا يتوافق مع الزمن! مدننا نظيفة، بما في ذلك مدينة القطيف، بفضل ما يبذل من جهد من الجهات الرسمية وتعاون الناس في الاعتناء بالبيئة. صرنا نلتقي في مدينة القطيف من هم من خارجها وكلّ من نلتقي به يشيد بجمال المكان وطيب الناس. يأتي الزائر من بعيد يملأ العين بتاريخ ضارب في القدم وحاضر لا يقل جمالًا عن الماضي، توأمة جميلة أليس كذلك؟
قبل حوالي اسبوع كنت في مدينة الرياض - العاصمة - أشتري إفطارًا من أحد المطاعم فسألني شاب: من أين أنتَ؟ قلت له: من القطيف. يبدو أنه لم يزر القطيف فقال: ماذا في القطيف؟ قلت له: أنا هنا يومين فقط وها أنا أشتاق إلى هدوء القطيف، إلى صوت بحرها وصوت نخلها وناسها الطيبين. حتى شمسها الحارقة في الصيف جميلة! لا يهمّ أن يكون فيها أبراج عالية ولا ناطحات سحاب، من قال أن جمال المدن يقاس بكم بناية وكم طابق؟
جوهرة عجيبة خرجت من البحر. جوهرة منحها البحرُ هدوء وجمالًا وافرين. وصفها المرحوم الشيخ عبد الحميد الخطي قائلًا:
قالوا القطيف فقلت غاية قصدنا .. ألقِ المراسيَ أيها الربانُ
وافيته والبدر يبسط ظلَّه .. فوق الضفاف وترقص الشطآنُ
وعليه من نسج المساء مُلاءةٌ .. صفراءُ باهتة بها الألوان
والسُّفْن أسرابٌ تروح وتغتدي .. نوعان ذا وانٍ وذا عجلانُ
والشُّرْع خافقة الشعاعِ كأنما .. نَفَضت جناحاً في الفضا العُقبانُ
وزغارد الملاحِ ينشرها الدجى .. والبحر مصغٍ كلُّه آذانُ
تاريخ بعيد ومقومات سياحية جيدة. لذلك من أسوأ المناظر التي نراها أن رجلًا، أو امرأة، دون مبالاة يجمع القمامة من سيارته ويبعثرها في الطريق!
الطريق لنا ونحن نريد الطريق خاليًا من هذه المناظر. انتظر حتى تصلَ إلى بيتك وارم زبالتك حيث تشاء، أو تجد في كل مكان حاوية قمامة إرم فيها مخلّفاتك. لو حصل هذا في زمن الآباء والأجداد لقلنا هذا طبيعيّ لأن الناس لا تهتم بالنظافة العامة أما الآن الأبكم يسمع والأعمى يرى فوائد النظافة العامة.
لكي لا آخذَ من وقتك طويلًا إليك هذه الرسالة المملوءة بالمحبة والرجاء: كلنا نتعاون، نعمر، نبني وننظف، ولنا في ذلك أجر من الله سبحانه وتعالى:
عن النبيّ صلى الله عليه وآله: دخل عبدٌ الجنّة بغصن من شوك كان على طريق المسلمين فأماطَه عنه.
وفي حديثٍ آخر: إنّ على كلّ مسلم في كلّ يوم صدقة، قيل: من يطيق ذلك؟ قال صلى الله عليه وآله: إماطتك الأذى عن الطريق صدقة، وإرشادك الرجل إلى الطريق صدقة، وعيادتك المريض صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وردّك السلام صدقة.
كيف مع كلّ هذه الأحاديث والتوصيات النبوية الرائعة لا ننظف الطريقَ بل نزيده وساخةً وقذارة؟ مشكلة نظافة الطريق ليست في تقصير الكنَّاس إنما في أخلاق الناس!



