من أصدقائي الذين أخروا الحجّ من ماتَ أو كبر.. لا تؤجل الحجّ إذا استطعت!

كتبتُ هذه الخاطرة في اليوم الأول من شهر ذي الحجة ١٤٤٧ هجرية حيث الذين يريدون الحج إما ذهبوا، أو على وشك الذهاب إلى مكة. ذهبوا في رحلة تجمع بين منافع الدنيا والآخرة.
في الحج تعرف أصدقاءً جدد ولا تنساهم لأنك تعيش معهم حياةً بهيجة ممتعة وتتشارك معهم المبيتَ بعيدًا عن رفاهية الدار. في الغالب نلبس قناعًا عندما نكون بين الناس إلا أن هذا القناع ننزعه في الحج. في الحج تتكشف أخلاقنا وعاداتنا ويظهر للناسِ مظهرنا الطبيعي!
اسأل الذين ذهبوا في الأسفار: أي سفرةٍ كانت أجمل؟ أي سفرةٍ جمعت بين متعة الدنيا والآخرة؟ سوف يقولون لك بأعلى أصواتهم: ما من سفرةٍ أمتع من سفرةِ الحج!
اسأل الذين ذهبوا في الماضي كيف صبروا على بعد المسافة وطول المدة! الآن في إمكانك أن تختصرَ المدة إلى أقل من خمسة أيام في رحلة الطائرة، بينما الذين عاشوا في الماضي ركبوا ظهور الدواب وتَجشموا تعب وعناء ومخاطر الطريق عدة أشهر!
متى ما استطعت الحج فلا تتأخر. عرفتُ بعض الأصدقاء الذين تكاسلوا لسببٍ أو لآخر ثم لم يستطيعوا، كبروا أو توفاهم الله سبحانه وتعالى! يا للأسف ماتوا دون أن يحجوا!
ما أكثر الأشياء التي نضيع فيها المال الكثير فإذا جاء الحج قلنا: كيف نذهب؟ من أين لنا المال؟ نحن لا نستطيع! ما أكثر الأسفار التي نتفاخر بها فإذا جاء وقت الحجّ قلنا: الحج يحتاج إلى كيت وكيت!
جميع الناس يتمنون الذهاب إلى الحج، أن يكونوا ضيوفًا على الرحمن جلّ جلاله، أن يرون تلك الأماكن المقدسة، أن يفترشون أرض عرفة ويلتحفون سماءَ مزدلفة وأن يؤدوا مناسك منى، كيف إذن لا يذهب من يستطيع؟
أنا ربيتُ في جزيرة تاروت وأتذكر جيدًا مناظر ذهاب وإياب الحجاج في حافلة تتبعها شاحنة، يصطف الناس لوداعهم في رحلة الذهاب وفي عودتهم للترحيب بهم وشكر الله على سلامتهم. لعله يتبين من الفرق بين المشاهد القديمة والمشاهد الحديثة البون الشاسع بين صعوبة فريضة الحجّ في الماضي والحاضر.
{وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق}:
يذكر في الكتب أنه عندما تسلّم إبراهيم عليه السلام هذا الأمر الربّاني قال: إنّ أذاني لا يصل إلى أسماع الناس، فأجابه سبحانه وتعالى "عليك الأذان وعليّ البلاغ"! فصعد إبراهيم عليه السلام موضع المقام ووضع إصبعيه في اُذنيه وقال: يا أيّها الناس كتب عليكم الحجّ إلى البيت العتيق فأجيبوا ربّكم. وأبلغ الله عزّوجلّ نداءه أسماعَ جميع الناس حتّى الذين في أصلاب آبائهم وأرحام اُمّهاتهم، فردّوا: لبّيك اللهمّ لبّيك! وإنّ جميع الذين يشاركون في مراسم الحجّ منذ ذلك اليوم وحتّى يوم القيامة، هم من الذين لبّوا دعوة إبراهيم عليه السلام.
ألم تسمع نداء إبراهيم عليه السلام؟ ألا تحب أن تكون من الذين قالوا: لبيك؟ فريضة الحج عبادة ومتعة وصداقة لا تؤخرها!
فإذا وصلتُم سالمينَ فبلّغوا .. منّي السلامَ أهيلَ ذاك الوادِي
وتذكّروا عند الطوافِ متيماً .. صبّاً فَنِيْ بالشوق والإبعادِ
لي من ربا أطلال مكّة مرغبٌ .. فعسى الإلهُ يجودُ لي بمرادِي



