الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

فراق الأحبة لوعة “بعد أم علي”.. .بأية حال عدت يا عيد..

سلمان العنكي · القطيف اليومالأربعاء 27 مايو 2026، 3:08 م
فراق الأحبة لوعة “بعد أم علي”.. .بأية حال عدت يا عيد..

عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ
أَمّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُمُ
فَلَيتَ دونَكَ بيداً دونَها بيدُ

………………..

عيد أضحى عامنا هذا فيه تجديد بيني وبين الحبيبة، بيداء وبيد، هجرت الدور صاحبة القلب الكبير، “شريكة حياتي”، فسكنت القبور، لا يُسمع لها ترتيل قرآن في البيت، ولا لدعاء ترديد.

“ليتني كنت دونها تحت التراب، وبقيتْ هي للأولاد والأحفاد والأحباب جامعةً لشملهم ككل عيد”.

فطرٌ مضى اجتمع حولها اثنان وأربعون بين كبير وصغير، وزوجات أبناء وأزواج بنات، هم جميعًا عائلتها، يضج البيت بهم بين ضاحك ومازح ومحادث، وهي بينهم رحلة تتنقل بين الزهور، تلاعب هذا وتهدد ذاك بسحب عيديته مزاحًا إن لم يهدأ ويترك التخريب، “سُلّمت لها الهدايا بيدها”.

أما في ظهر يوم هذا العيد، المصادف اليوم الثالث لوفاتها، فاجتمعوا لا لمعايدتها كالعادة في بيتها، لأنه أصبح غارقًا في ظلام، ولكن بعزاء على قبرها، “وكأنهم جاؤوا يباركون بالمنزل الجديد”، ببكاء وعويل حتى ارتفع منهم النحيب.

وهداياها سُلّمت للسماء من جوار الحرم المكي ومنى وعرفات، ومن المدينة وكربلاء ونجف الكوفة والجوادين والعسكريين، ومن محافظة القطيف، خصوصًا بلدها القديح.

إنا لله وإنا إليه راجعون..

فجر يوم الأحد ١٤٤٧/١٢/٧ نُعيت لي تلك المرأة الصالحة، زوجتي { أم علي }، باتصال تلقيته من ولدها الأكبر “علي”. ساعتها حمدت الله وله الثناء على البلاء، مسلمًا بقضائه، أسأله تعالى أن يوفيني وأولادها وأمها وأرحامها ومحبيها أجر الصابرين المحتسبين.

وهنيئًا لرحيلها المفاجئ غير المحسوب، مع تفويج الحجيج إلى منى وعرفات، ومسير ركب سيد الشهداء إلى كربلاء، “المكان التي كانت تهواه”، حيث مصرعه عليه السلام.

المرحومة مدرسة، تمثلت مخرجاتها في:

أولًا: المعاملة الزوجية:
عاشرتها خمسين سنة وخمسة أشهر، ما نظرت عيني ما يشين منها، وما سمعت أذني ما يعيب. تُقدّس الحياة الزوجية، ما رفعت صوتًا في وجهي، وما كلفتني ما لا أطيق، مخلصة أمينة، خدمتني إحسانًا لا وجوبًا، تسرني إن نظرتها، وتحفظني إن غبت عنها، يريحني منطقها.

ثانيًا: في الأخلاق:
لا غيبة، لا نميمة، لا تخبيب، تعطي الجيران حقوقهم وتحترمهم، وصولة للأرحام، خدومة للعائلة، ربّت ثمانية من الأولاد والبنات، منهم المستشار القانوني، والمهندس، والدكتورة، ورجل الأعمال.

ثالثًا: التزامها الديني:
شديدة الخوف من الله، محافظة على واجباتها الدينية بما شرعت من أحكام، مع بعض المستحبات، نقية الذمة، لم تُطالب لأحد بحقوق مالية أو معنوية. تشتاق لبيت الله الحرام وزيارة الرسول الأكرم وآله في المدينة المنورة، ومقامات الأئمة في العراق وغيرها عليهم السلام، تشارك وتخدم في مناسباتهم.

رابعًا: العلاقات الاجتماعية:
مع تعدد صديقاتها اللاتي يعتبرنها أختًا، إلا أنها تصلهن جميعًا في الأفراح والأتراح وغيرها، وإن بعدن عنها.

خامسًا: المحافظة على النعمة:
تقدّر قيمة النعمة وتحافظ عليها، لا تتلف ما يُستفاد منه وإن قل. بيتها، على كثرة عائلتها وزواره، نظيف ومرتب بجهدها الذاتي دون مساعدة خادمة، تفوح منه دومًا الرائحة الطيبة.

فقدها خسارة لا تُعوّض، أتمنى من نساء قومها أن يقتدين بها، ويتخذن محاسن صفاتها أنموذجًا للتعامل العام والخاص…

رحمها الله وأسكنها جنانه مع الآل عليهم السلام، وربط على قلوب فاقديها بالصبر والسلوان، وخلف عليهم بالخلف الصالح، إنه سميع مجيب.