بين الحكمة والمظهر

يلتقي الناس في هذه الحياة على اختلاف أعمارهم وتجاربهم وأفكارهم، ولكل إنسان طريقته في النظر إلى نفسه وإلى الآخرين، غير أن بعض الناس يقعون في خطأ شائع حين يظنون أن التقدم في العمر يعني التخلي عن الأناقة والعناية بالنفس، وكأن الشيب او عدم الاهتمام بالمظهر شهادة انتهاء لكل مظاهر الاهتمام بالمظهر والحيوية.
أشد ما يثير العجب أن ترى شابا في ريعان عمره يحمل في داخله روح رجل هزمته الحياة مستسلما لها قبل أن تبدأ معه معركتها.
نظر إلي باستغراب ظاهر، وكأنني ارتكبت جرما لا يغتفر، لم يعجبه أن يرى رجلا تجاوز سنوات الشباب وما زال يعتني بمظهره، يرتب شعره، يهذب لحيته، و يخفي بياض الشيب ويحرص على أن يبدو في أجمل هيئة.. كانت عيناه تفتشان عن مبرر لذلك الاهتمام، وكأن العناية بالنفس امتياز ينتهي بانتهاء العقد الرابع من العمر.
قال مستنكرا.. ماسبب هذا الاهتمام والى متى؟ العمر يمضي، والأبناء كبروا، وتزوجوا والتقاعد يطرق ابوابه، والناس في مثل عمرك قد استسلموا للشيب والاهتمام بمظهرهم.. اترك تلك العناية والاهتمام لمن هم في عمر ابناءك !
استمعت إليه وأنا أتساءل في داخلي، أيهما أكبر سنا أنا الذي شاب رأسي، أم هو الذي شاخت أفكاره
فالعمر لا يقاس بعدد السنوات التي مرت علينا، بل بعدد الأحلام التي ما زالت تسكننا، وعدد الأشياء الجميلة التي ما زلنا نراها جديرة بالاهتمام. أما أن يظن الإنسان أن التقدم في العمر دعوة إلى الإهمال، وأن الوقار يعني الاستسلام، فذلك فهم بائس للحياة.
ما قيمة السنوات إن كانت تسرق من الإنسان حبه لنفسه، وما الحكمة في أن يهمل المرء هيئته ليثبت للناس أنه كبر، وهل يصبح الشيب أجمل حين يرافقه الإهمال والفوضى..
لقد رأيت في تلك النظرة شيئا أعمق من مجرد استغراب، رأيت استسلاما مبكرا، وهزيمة فكرية، رغم ذكاءه الموقد، ونظرة سوداوية قاتمة تختزل الحياة في عداد سنوات لا في جودة الأيام.
بعض الناس يشتعل رأسه شيبا ويبقى قلبه أخضر بالحياة، وبعضهم لا يزال في مقتبل العمر لكن أفكاره هرمت قبل أوانها. وكان عجلة الحياة توقفت عقاربها ينتظر فراق هذه الدنيا
ولذلك لم أستغرب نظرته بقدر ما حزنت عليها، لأن من يرى الاهتمام بالنفس ترفا، ويرى الأناقة عبثا، ويرى الحيوية وهما بعد سن معينة، إنما يحكم على نفسه بالشيخوخة وهو ما زال شابا.
فالإنسان لا يكبر حين يظهر الشيب في رأسه، بل حين يفقد احترامه لنفسه، ويتوقف عن رؤية الجمال في الحياة ومن حوله.
هذه الانموذج من الناس أكثر بؤسا، اسأل الله ان يلطف بحاله، ويمده في عمره ويفرح باولاده وان تزال عنه عقدة اهتمام الناس بأنفسهم
اخيرا اكتشفت أن المشكلة ليست في المظهر أو العمر، بل في عقلية الشاب ونظرته السلبية للحياة.



