الخلق كله يتكلم فهل أنا أسمع وأفهم؟!

في الصباح، فوق الأشجار، أسمع أصواتَ الطيور فأقول: يا ربّ ماذا تقول هذه الطيور؟ هل تعرف اللهَ سبحانه وتعالى كما نعرفه، أقل مما نعرفه، أم أكثر؟ {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}.
أفلا ترى أننا نتكلم بأصواتنا ونسمع بآذاننا والكون كله يتكلم بأصناف اللغات؟ {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}. إذن المشكلة عندي، لا أفقه التسبيح كيف ومتى. عدم معرفتي كيف تسبح وتتكلم المخلوقات الأخرى لا ينفي حدوث ذلك.
نحسب أننا وحدنا نسكن الكونَ ونعرف الله سبحانه وتعالى! إذن لو عرفنا ماذا تقول المخلوقات الأخرى أصابنا الذهول. سواءً أكانت أشجاراً، أو أزهاراً، أو أنهاراً، أو محيطات، أو رياحاً، فقد تكون الإشارات حرفية أو رمزية، لكنها دائماً ما تُخاطبنا بأوامر مباشرة من الله. يا ليتَ لنا آذانًا نسمعها!
الكون كله يتكلم، من الذرة الحقيرة وما في داخلها من دقائق الخلق، حتى المجرات العظيمة. كلها تتكلم لغة التوحيد، توحيد الخالق المبدع، تحثنا على التفكر والايمان بالله سبحانه وتعالى لتتحول أفكارنا إلى عقيدةٍ راسخة أنّ لهذا الكون خالق حق لا معبود سواه! الكون يتكلم بالأرقام، بالانتظام، بالعظمة، الكون يتكلم بكل اللغات.
تعرف أنا الذي أكتب لك لا أعرف الإشارات التي تظهر في سيارتي عندما تتعطل. أحاول عاجزًا فهم الأصوات التي يصدرها حفيدي الصغير ولا أستطيع، كيف بي إذن إذا عجزت عن فهم ما هو أخفى من أصوات وأسرار؟
علَّمَ اللهُ من شاء من خلقه أسرار عظمته سبحانه وتعالى:
{إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} .. داوود عليه السلام.
ثم سليمان عليه السلام من بعده:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ}.
غيرهم أيضًا لم يقصص علينا الله سبحانه وتعالى خبرهم؟ من الجائز! بل من المحتمل مثل النبي محمد صلى الله عليه وآله.
لذلك تراني أنا الجاهل الغافل عن دقائق الكون لا أدركها كما العالم العارف. المشكلة أننا نألف معجزةَ الكون من الشمس إلى القمر إلى كل إبداعات الخالق لأننا نراها كل يوم. نراها بعيوننا دون أن نراها بعقولنا وإدراكاتنَا العميقة. تتكرر علينا مشاهد العظمة فنعتاد عليها!
حجة علينا لكي لا يقول أحد لم أرَ ولم أسمع. الكواكب في ظهورها وأفولها، القمر في بزوغهِ وأفولِه، الشمس في بزوغها وأفولها تقول: إن للكونِ خالق أكبر، فاطر السموات والأرض {هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعالَمِينَ"}.
"ولو ضربتَ في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته، ما دلّتك الدّلالة إلاّ على أنّ فاطرَ النّملة هو فاطر النّخلة، لدقيق تفصيل كلّ شيء، وغامض اختلاف كلّ حيّ".. انظر ماذا قال الإمام علي عليه السلام في وصف النملة من عجائب الخلق!



