معلمة الأجيال وخادمة القرآن وأهل البيت (ع)

المرحومة السيدة شرف السيد كاظم السيد حسن العلويات (أم السيد علوي)، معلمة الأجيال وخادمة القرآن والإمام الحسين وأهل البيت (ع).
نشأت في بيئة إيمان وعلم ومعرفة، وتُعد المرحومة أم السيد علوي من الشخصيات النسائية البارزة التي تركت أثراً طيباً في مجتمعها، لما عُرفت به من علم وأخلاق وإخلاص في خدمة الدين والمجتمع. فقد كانت سيدة فاضلة ونجيبة كرّست جانباً كبيراً من حياتها لتعليم القرآن الكريم ونشر الثقافة الدينية بين النساء والفتيات.
وربّت أبناءها تربية صالحة، فنهلوا من معينها الطيب وتخلّقوا بالإيمان والتواضع والاحترام وخدمة المؤمنين.
اشتهرت أم السيد علوي بكونها قارئة للقرآن الكريم، تتلو آياته بخشوع وتدبر، وتحرص على تعليم أحكام التلاوة والتجويد للأجيال المتعاقبة. وتتلمذ على يديها عدد كبير من الفتيات والنساء اللواتي نهلن من علمها واستفدن من توجيهاتها، فكانت معلمة ومربية فاضلة قبل أن تكون مدرسة للقرآن الكريم.
كما كان لها دور بارز في المنبر الحسيني النسائي، حيث عُرفت بخطابتها الحسينية الهادفة، فكانت تنقل سيرة أهل البيت عليهم السلام وقيمهم النبيلة بأسلوب مؤثر يجمع بين المعرفة والإيمان، وتسهم في إحياء المناسبات الدينية وترسيخ المبادئ الإسلامية في نفوس المستمعات.
وقد تميزت المرحومة بحسن الخلق والتواضع وحب الخير للناس، فكانت قريبة من القلوب، تحظى باحترام وتقدير كل من عرفها. وكانت كلماتها الطيبة وابتسامتها الصادقة تبعث الطمأنينة في نفوس من حولها.
ولم يقتصر عطاؤها على التعليم والخطابة فقط، بل امتد إلى النصح والإرشاد والإسهام في بناء جيل مؤمن متمسك بقيمه الدينية والأخلاقية.
علاقة والدتي بها
كانت والدتي، أم حسين الدخيل، إحدى الفتيات اللاتي تعلمن على يدي هذه السيدة النجيبة أم السيد علوي، حتى أصبحت والدتي ملاية بفضل الله ثم بفضل ما تلقته منها من علم وتوجيه.
وكانت علاقة والدتي بها قوية، إذ كانت تعتبرها بمثابة الأخت الكبرى والأم الحنون لها.
وعند سماعي خبر وفاة هذه السيدة الغالية، التي كانت بمنزلة الأم للجميع، وكنت دائماً أسأل والدتي عن أخبارها وصحتها وأحوالها، ويصلني سلام خاص منها عن طريق والدتي أو عن طريق أحد أبنائها الكرام، تحيّرت كيف أخبر الوالدة بهذا الخبر الحزين، لما أعرفه من قوة العلاقة التي تربطها بها.
وكان ذلك يوم الجمعة ليلة السبت الموافق 2026/6/12م، وهي الليلة التي يجتمع فيها أفراد العائلة في بيت الوالد رحمه الله، مع الوالدة والإخوة والأخوات وأحفادهم، حول مائدة العشاء.
وكانت الوالدة في المطبخ تُعد لنا وجبة العشاء مع أخواتي، ومن بينها اللقيمات اللذيذة من يدها المباركة.
فقلت لإحدى أخواتي: كيف أخبر الوالدة بهذا الخبر الحزين، وأن أم السيد علوي قد انتقلت إلى رحمة الله؟
وقلت في نفسي: إذا فرغنا من العشاء سأخبرها.
وعند الانتهاء من العشاء أخبرتها بالخبر، وأول ما قلته لها: «أماه، أم السيد علوي مريضة».
فطالعت في عيني وقالت: «ماتت»، بصوت حزين ودموع خافتة.
كانت والدتي تعتبرها أماً لها بعد فقد والدتها وهي في سن مبكرة من عمرها، فأصبحت أم السيد علوي بالنسبة إليها الأم الحنون والمعلمة الفاضلة التي تعلمت منها الصفات الحميدة والأخلاق الكريمة.
ووالدتي قصة صبر صنعتها الأيام والسنوات القاسية التي عاشتها، وهي نموذج للمرأة الصابرة والمكافحة التي واجهت ظروف الحياة بإيمان وعزيمة.
فقد عاشت تجربة مؤلمة في سن مبكرة عندما فقدت والدتها المرحومة مريم عبدالله مدن الحليلي، رحمها الله، وهي لا تزال طفلة صغيرة، الأمر الذي ترك أثراً عميقاً في حياتها ومسيرتها.
وفقدان الأم في مرحلة الطفولة من أصعب الابتلاءات التي قد يمر بها الإنسان، فالأم هي مصدر الحنان والرعاية والأمان.
إن رحيل هذه السيدة الجليلة، الطيبة، الخيرة، المؤمنة، الحنونة، يمثل خسارة لأهلها ومحبيها ولكل من استفاد من علمها وتوجيهها. وكان وجودها بركة على جميع من حولها بدعائها المخلص لله سبحانه وتعالى، إلا أن إرثها العلمي والديني سيبقى حاضراً من خلال الأجيال التي تعلمت على يديها، ومن خلال الذكر الحسن الذي تركته في المجتمع.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمد الفقيدة بواسع رحمته، وأن يسكنها فسيح جناته مع محمد وآله الطاهرين، وأن يلهم أبناءها وأهلها وذويها ومحبيها الصبر والسلوان، وأن يجعل ما قدمته من خير وإحسان في ميزان حسناتها.
﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.



