أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ما أبقته النار

عماد آل عبيدان · القطيف اليومالثلاثاء 16 يونيو 2026، 1:46 م
ما أبقته النار

لم يكن أحد في تلك الليلة يفكر في التاريخ.

فالتاريخ لا يشغل بال من يرى النار تتقدم نحوه ولا يخطر في ذهن امرأة أن تجمع أبناءها من زوايا البيت ولا في خاطر رجل يركض حافيًا فوق التراب وهو يحمل دلواً يتسرب الماء من جوانبه..

التاريخ جاء بعد ذلك بسنوات.

أما تلك الليلة فلم يكن فيها سوى بشرٍ يحاولون النجاة.

بدأ الأمر بشيء لم يلتفت إليه أحد..

وهذا ما يحدث غالبًا.

فالكوارث الكبيرة لا تأتي معلنة عن نفسها..

تتسلل من ثغرة صغيرة..

ومن تفصيل يراه الناس أصغر من أن يثير القلق..

جمرة عند طرف سعفة..

ثم سعفة أخرى..

ثم ثالثة..

ثم تولّت الريح ما تبقّى.

وكانت العشش يومها متقاربة إلى درجة أن الطفل يستطيع أن ينتقل من ظلّ سقف إلى ظلّ سقف دون أن تلمسه الشمس.

جريد فوق جريد..

وسعف فوق سَعف..

وبيوت تتجاور كما تتجاور القلوب في الأماكن الصغيرة.

ولهذا لم تجد النار عناء في التنقل…

كأن الطريق كان ينتظرها منذ زمن.

أول من لمحها فتى عاد متأخرًا من النخيل..

توقف لحظة..

حدّق..

لم يصدق ما يرى..

ثم اندفع يركض.

وفي وقت قصير كانت البلدة كلها على قدميها.

رجال يركضون..

ونسوة يجمعن الأطفال..

وصبية يهرعون نحو العيون ومجاري الماء.. يملأون ما استطاعوا من أوعية قبل أن يسبقهم اللهيب..

وكبار سن يرفعون أكفهم بالدعاء.

أما النار فكانت تمضي في عملها بسرعة هدوء مخيف.

لا تتراجع..

تعرف وجهتها جيدًا..

تقفز من سقف إلى سقف..

ومن عشة إلى عشة..

ومن سعفة إلى أخرى..

حتى بدا الليل كأنه يشتعل من أطرافه.

وكان أعجب ما في تلك الليلة أن النار كانت واحدة.. أما ما ركض الناس لإنقاذه فكان مختلفًا بعدد قلوبهم.

فعندما يقترب اللهيب لا ينشغل الجميع بالشيء نفسه..

كل إنسان يهرع نحو أثمن ما يملك…

هناك من حمل طفلًا..

وهناك من حمل ذكرى..

وهناك من حمل عمرًا كاملًا بين ذراعيه..

وهناك من حمل شيئًا لم يفهم أحد قيمته إلا صاحبه.. كأن الحريق لم يكن يمتحن البيوت وحدها..

كان يمتحن الأرواح أيضًا.

رجل خرج من عشته يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.. ظل ممسكًا به حتى الفجر.. ولم يعرف أحد ما بداخله..

حتى قيل بعد سنوات إن الصندوق لم يكن يحوي مالًا ولا ذهبًا.. كان يحوي رسائل قديمة من أبيه..

أوراقًا صفراء لا تساوي شيئًا عند التجار وتساوي عمرًا كاملًا عند صاحبها.

ورجلٌ آخر عاد إلى عشته المشتعلة مرتين.. فظن الناس أنه ينقذ مدخراته.. ثم ظهر وهو يحمل قفصًا صغيرًا فيه زوج حمام..

فضحك بعضهم من فعله رغم أجواء الفجيعة والألم.. غير أن أحدًا لم يكن يعرف أن ابنه الراحل هو من ربّى ذلك الزوج بيديه.

وأمٌّ خرجت وهي تجر أبناءها..

ثم توقفت فجأة وتركت الجميع وعادت تركض نحو النار.

فصاح الرجال خلفها..

وحاولوا منعها..

وحينما خرجت كانت تحمل شيئًا ملفوفًا بقماش حسبوه طفلًا نسيته..

ثم اكتشفوا أنها حملت صورة زوجها المتوفى.. كانت تخشى أن تأكله النار للمرة الثانية.

ولم تكن كل الحكايات جميلة..

فهذه ليست طبيعة البشر.

كان هناك من يلتفت إلى بيته أكثر مما يلتفت إلى جاره..

ومن ظل يحرس ما يملك وكأن البلدة كلها لا تحترق إلا حوله..
ومن غاب حتى انقضت المحنة..
ومن ظهر فجأة كأنه خُلق لذلك اليوم..

عجوز فتح منزله لكل من فقد مأواه..

وشاب ظل يحمل الماء حتى أعياه التعب..

وامرأةٌ أعدّت الطعام للناس طوال الليل وهي لا تعلم إن كانت عشّتها ما زالت قائمة أم صارت أثرًا وانتهى.

بطلوع الصباح كانت الأرض تعرف أنها ليست الأرض التي استقبلت المساء.

أعمدة سوداء مكان بعض البيوت..

وجريد متفحم..

وأشياء متناثرة نجت بالمصادفة..

وحزن ثقيل يجلس فوق الوجوه.

ومع ذلك…

لم تكن الهزيمة كاملة.. فشيء آخر كان يتحرك بين الناس.

شيء لا يُرى بسهولة.

كل بيت بقي قائمًا اتسع لبيت آخر..

وكل قدر طعام صار يكفي عددًا أكبر..

وكل يد صارت تعمل عن عدة أيدي..

وكان المشهد عجيبًا..

النار أخذت كثيرًا..

والناس أعادوا كثيرًا أيضًا.

بعد أعوام طويلة.. ظل من شهدوا تلك الليلة يروونها..

والغريب أنهم لم يكونوا يتفقون على عدد العشش التي ذهبت.. ولا على الموضع الذي خرجت منه الجمرة الأولى.. ولا على مساحة ما التهمه اللهيب..

كأن الزمن أخذ تلك التفاصيل معه.

أما الذي بقي.. فلم يختلفوا عليه إذ كانوا يتذكرون من فتح بابه..

ومن آوى جاره..

ومن اقتسم طعامه..

ومن وقف مع الناس حتى انقضت المحنة..

وكأن النار أكلت الجريد والسعف..وتركت المواقف وحدها عصيّة على الاحتراق.

وفي مرة سألت أحد كبار السن..

“ما أكثر شيء بقي في ذاكرتك من تلك الليلة؟”

ظننت أنه سيحدثني عن النار..

أو عن الريح..

أو عن الخوف..

لكنه فكر طويلًا..

ثم قال..

“اكتشفت يومها أن المصائب لا تُعرّفنا على ما نملك”

وسكت قليلًا..

ثم أكمل..

“تُعرّفنا على من نكون”.

كبرت بعدها بسنوات كثيرة..

ورأيت حرائق من نوع آخر..

لا جريد فيها..

ولا سعف..

ولا لهيب..

ورأيت أشياء تبدأ صغيرة جدًا..

كلمة..

وتأويلًا..

وظنًا..

وحكاية أضيف إليها نصف سطر..

ثم تمضي من شخص إلى آخر..

ومن مجلس إلى آخر..

ومن يد إلى أخرى..

حتى يصبح لها أثر لا يشبه حجمها الأول.

وعندها كنت أتذكر تلك الجمرة القديمة..

الجمرة التي لم تكن تملك قوة تُذكر لكنها وجدت طريقًا مفتوحًا.

فما كانت سوى شرارة أولى.. ثم أخذت الشرارات تتوالد كأنها تعرف طريقها إلى الحريق.

ولعل أكثر ما أخشاه اليوم ليس الجمر نفسه..

إنما الطرق التي تُترك له مفتوحة.