النقوش الجنائزية وبنيتها الهيكلية.. حجارة صفوى تنطق بتاريخ شرق الجزيرة العربية

• النقوش الجنائزية وبنيتها الهيكلية دراسة تطبيقيّة على نقش جاوان صفوى بمحافظة القطيف
٠ الخط المسند الأحسائي

النشأة والخصائص والدلالات الحضارية
يُعد الخط المسند أحد أبرز أنظمة الكتابة الأبجدية التي عرفتها شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، ويمثل أحد أهم الشواهد الحضارية التي أسهمت في حفظ تاريخ المجتمعات العربية القديمة وتوثيق جوانب حياتها السياسية والاجتماعية والدينية. ولم يكن المسند مجرد وسيلة لتسجيل الأحداث والمعاملات اليومية، بل شكّل وعاءً ثقافيًا وحضاريًا ارتبط بهوية الممالك العربية القديمة، وأصبح الأداة الرئيسة لتدوين النقوش الملكية والنذرية والجنائزية والتذكارية، الأمر الذي جعله من أهم المصادر التي يعتمد عليها الباحثون في إعادة بناء تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام (بافقيه، 1985، ص 12؛ الذيب، 2017، ص 15).
وقد ارتبط ظهور الخط المسند وازدهاره بممالك جنوب الجزيرة العربية، ولا سيما سبأ ومعين وقتبان وحضرموت، حيث استُخدم في تسجيل النصوص الرسمية والدينية والاقتصادية على مدى قرون طويلة. ومع اتساع النشاط التجاري وازدهار طرق القوافل القديمة، وخاصة طريق البخور الذي ربط جنوب الجزيرة العربية بشرقها وشمالها، تجاوز الخط المسند نطاقه الجغرافي الأصلي وانتقل إلى مناطق متعددة من الجزيرة العربية، حاملاً معه تأثيراته اللغوية والثقافية والحضارية (جواد علي، 1993، ج6، ص 18–22).
وكان شرق الجزيرة العربية، ممثلًا في إقليم البحرين القديم الذي ضم الأحساء والقطيف وثاج والمناطق المجاورة، من أبرز المناطق التي تأثرت بهذا الامتداد الحضاري. فقد كشفت المسوحات والتنقيبات الأثرية عن مجموعة مهمة من النقوش المكتوبة بصيغ كتابية تنتمي إلى عائلة الخط المسند، عُرفت في الدراسات الحديثة باسم «النقوش الحسائية» (Hasaitic Inscriptions)، وهي نقوش تمثل تقليدًا كتابيًا محليًا نشأ في بيئة شرق الجزيرة العربية مع احتفاظه بصلات واضحة بالمسند الجنوبي (السعيد، 2020، ص 15–18).
وتشير الدراسات إلى أن هذه النقوش تعود في مجملها إلى الفترة الواقعة بين القرن الخامس قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي، وهي فترة شهدت ازدهارًا اقتصاديًا وثقافيًا ملحوظًا في المنطقة نتيجة موقعها الاستراتيجي على طرق التجارة البرية والبحرية التي ربطت الجزيرة العربية ببلاد الرافدين وإيران والهند (السعيد، 2020، ص 21؛ الأنصاري وآخرون، 2010، ص 186–190). ومن ثم فإن النقوش الحسائية لا تمثل مجرد نصوص مكتوبة، بل تعد وثائق حضارية تعكس جوانب متعددة من حياة المجتمع القديم، بما في ذلك الأسماء والأنساب والعلاقات الاجتماعية والمعتقدات الدينية والممارسات الجنائزية.
وتبرز أهمية دراسة الخط المسند الأحسائي في كونه أحد المصادر المباشرة لفهم تاريخ شرق الجزيرة العربية قبل الإسلام، كما أنه يمثل عنصرًا مهمًا في دراسة الرموز والدلالات الحضارية المرتبطة بالمكتشفات الأثرية. فالنقش المكتوب لا ينفصل عن السياق الأثري الذي وُجد فيه، بل يشكل جزءًا من المنظومة الرمزية والثقافية للمجتمع الذي أنتجه. ومن هذا المنطلق، فإن دراسة نشأة الخط المسند الأحسائي وخصائصه ودلالاته الحضارية تسهم في إيضاح جانب مهم من تاريخ المنطقة، وتساعد على فهم الأبعاد الثقافية والفنية والاجتماعية التي تعكسها النقوش المكتشفة في شرق الجزيرة العربية.
مفهوم الخط المسند وأصوله الجينية
يُعد الخط المسند أحد أقدم أنظمة الكتابة الأبجدية التي عرفتها شبه الجزيرة العربية، وقد شكّل الأداة الرئيسة لتدوين اللغات العربية الجنوبية القديمة طوال قرون عديدة قبل الإسلام. ويتألف هذا الخط من تسعة وعشرين حرفًا تمثل الأصوات الصامتة للغة، ويتميز بأشكاله الهندسية المتناظرة التي تعتمد على الخطوط المستقيمة والزوايا الحادة، الأمر الذي أكسبه طابعًا فنيًا مميزًا جعله من أكثر الخطوط القديمة وضوحًا وانتظامًا من الناحية الشكلية (الذيب، 2017، ص 18).
وتُكتب حروف المسند منفصلة عن بعضها بعضًا دون اتصال، بخلاف الخط العربي الحديث، كما يُستخدم فاصل عمودي بين الكلمات لتحديد حدودها ومنع الالتباس في القراءة. وقد أسهم هذا النظام الكتابي في تحقيق درجة عالية من الوضوح والتنظيم في النصوص المنقوشة على الأحجار والصخور والمنشآت المعمارية، وهو ما يفسر استمرار استخدامه قرونًا طويلة في مختلف أقاليم الجزيرة العربية (بافقيه، 1985، ص 38–40).
ويُرجع عدد من الباحثين تسمية «المسند» إلى الجذر العربي «سند»، وذلك لارتباط أشكال حروفه بالخطوط الرأسية التي تبدو وكأنها تستند إلى قواعد ثابتة أو تسند بعضها بعضًا ضمن البناء الهندسي للحرف. كما يرى آخرون أن التسمية قد تكون مشتقة من الفعل «أسند» بمعنى رفع الخبر أو نقله، في إشارة إلى وظيفة الخط في حفظ الأخبار وتخليد الأحداث والأنساب والإنجازات السياسية والدينية للمجتمعات القديمة (يوسف محمد عبد الله، 1990، ص 14).
ومن الناحية التاريخية، ينتمي الخط المسند إلى أسرة الخطوط السامية القديمة التي انتشرت في مناطق واسعة من الشرق الأدنى القديم. وقد أثارت أصوله الجينية اهتمام الباحثين منذ بدايات الدراسات النقشية الحديثة، فذهب بعضهم إلى وجود صلات بينه وبين الأبجديات السامية الشمالية الغربية، في حين يرى آخرون أنه تطور داخل البيئة العربية الجنوبية تطورًا محليًا مستقلاً حتى وصل إلى صورته المعروفة في النقوش السبئية والمعينية والقتبانية والحضرمية. وعلى الرغم من استمرار الجدل العلمي حول المراحل الأولى لنشأته، فإن الدراسات الحديثة تتفق على أنه أصبح بحلول الألف الأول قبل الميلاد نظامًا كتابيًا متكاملًا يتمتع بخصائص مستقرة ومميزة عن غيره من أنظمة الكتابة السامية (بافقيه، 1985، ص 25–30؛ جواد علي، 1993، ج6، ص 11–15).
ولم يقتصر استخدام المسند على النقوش الرسمية أو الكتابات المرتبطة بالسلطة السياسية والدينية، إذ كان الاعتقاد السائد لدى الباحثين في بدايات القرن العشرين أن هذا الخط كان حكرًا على الطبقات الحاكمة والكهنة والكتبة الرسميين. غير أن الاكتشافات الحديثة، ولا سيما نصوص «الزَّبور» المدونة على الألواح الخشبية في اليمن القديم، كشفت عن وجود نمط كتابي يومي استُخدم في المراسلات والمعاملات التجارية والشؤون الإدارية الخاصة. وقد أسهمت هذه النصوص في تغيير النظرة التقليدية إلى المجتمع العربي الجنوبي، إذ أثبتت أن الكتابة كانت أكثر انتشارًا مما كان يُعتقد سابقًا، وأن المسند لم يكن مجرد أداة سلطوية بل وسيلة تواصل استخدمتها شرائح متعددة من المجتمع (يوسف محمد عبد الله، 1990، ص 19–21).
وتكشف هذه المعطيات أن الخط المسند لم يكن مجرد منظومة لغوية لتسجيل الكلمات، بل كان مظهرًا من مظاهر الحضارة العربية القديمة، ارتبط بالهوية الثقافية والذاكرة الجماعية للمجتمعات التي استخدمته. كما أن انتظام حروفه وأشكاله الهندسية منحه بعدًا فنيًا واضحًا، الأمر الذي جعل النقوش المسندية تجمع بين الوظيفة الكتابية والقيمة الجمالية في آن واحد. ولذلك ينظر إليه اليوم بوصفه أحد أهم عناصر التراث الحضاري لشبه الجزيرة العربية، ومصدرًا أساسيًا لدراسة التاريخ واللغة والفنون والرموز الثقافية في العصور السابقة للإسلام.
جغرافية الانتشار وديناميكية المثاقفة الحضارية
لم يكن انتقال الخط المسند إلى شرق الجزيرة العربية حدثًا معزولًا أو ظاهرة كتابية عابرة، بل جاء نتيجة تفاعلات حضارية واقتصادية ممتدة ربطت جنوب الجزيرة العربية بمناطق الخليج العربي وبلاد الرافدين منذ فترات مبكرة. فقد شكّلت طرق التجارة البرية والبحرية شبكة اتصال فعالة أسهمت في انتقال السلع والأفكار والأنظمة الكتابية بين المراكز الحضارية المختلفة، وكان الخط المسند أحد أبرز العناصر الثقافية التي انتقلت عبر هذه الشبكات التجارية (بوتس، 2003، ج2، ص89–92).
وقد احتلت واحة الأحساء وميناء العقير وحاضرة ثاج موقعًا استراتيجيًا ضمن هذه المنظومة التجارية، إذ مثّلت المنطقة نقطة التقاء للقوافل القادمة من جنوب الجزيرة العربية والمتجهة نحو بلاد الرافدين وشرق البحر المتوسط، كما ارتبطت بالملاحة البحرية في الخليج العربي التي ربطت سواحل الجزيرة العربية ببلاد فارس والهند. وأدى هذا الموقع الجغرافي المتميز إلى جعل شرق الجزيرة العربية بيئة مفتوحة للتأثيرات الحضارية المتبادلة بين مختلف الثقافات الإقليمية (جواد علي، 1993، ج6، ص34–38).
وفي ضوء هذا التفاعل المستمر، نشأت عملية مثاقفة حضارية أسهمت في انتقال الأبجدية المسندية إلى شرق الجزيرة العربية. غير أن سكان المنطقة لم يكتفوا بتبني الخط الجنوبي بصورته الأصلية، بل أعادوا توظيفه بما يتوافق مع بيئتهم المحلية واحتياجاتهم الاجتماعية واللغوية، مما أدى إلى ظهور نمط كتابي محلي عُرف في الدراسات الحديثة باسم «الخط أو النقوش الحسائية». ويُعد هذا التحول مثالًا واضحًا على التفاعل الثقافي الذي لا يقتصر على النقل المباشر للعناصر الحضارية، بل يشمل إعادة تشكيلها وإكسابها دلالات ووظائف جديدة داخل المجتمع المستقبل (السعيد، 2020، ص24–27).
وقد دعمت الاكتشافات الأثرية هذه الرؤية؛ إذ كشفت أعمال المسح والتنقيب التي نفذتها هيئة التراث السعودية وعدد من البعثات العلمية الدولية عن عشرات النقوش الحسائية المنتشرة في مواقع متعددة بشرق الجزيرة العربية، الأمر الذي يدل على اتساع نطاق استخدام الكتابة واندماجها في الحياة اليومية والاجتماعية للسكان. وتتركز أهم هذه المواقع في ثلاثة مراكز رئيسة:
1- ثاج
تُعد ثاج من أهم المدن الأثرية في شرق الجزيرة العربية، وقد ازدهرت بوصفها مركزًا اقتصاديًا وتجاريًا بارزًا خلال الفترات السابقة للإسلام. ويرى عدد من الباحثين أنها كانت من أبرز الحواضر المرتبطة بالنشاط التجاري الإقليمي، بل إن بعض الدراسات ربطتها بمملكة الجرهاء التي ذاع صيتها في المصادر الكلاسيكية القديمة. وقد أسفرت الاكتشافات الأثرية فيها عن شواهد مهمة تؤكد ازدهار الحياة الاقتصادية والثقافية، كما كشفت عن وجود معرفة بالكتابة واستخدام النقوش في توثيق بعض الجوانب الاجتماعية والدينية (الذيب، 2005، ص12–15).
2- عين جاوان
يمثل موقع عين جاوان في محافظة القطيف أحد أبرز المواقع الجنائزية في شرق الجزيرة العربية، حيث كشفت التنقيبات عن مقابر ركامية وشواهد قبرية ذات أهمية استثنائية لفهم الممارسات الجنائزية المحلية. وتبرز أهمية الموقع في احتوائه على نقوش تسجل أسماء الأفراد وأنسابهم، مما يوفر مادة علمية غنية لدراسة البنية الاجتماعية والهوية الثقافية لسكان المنطقة خلال تلك الفترة (الأنصاري وآخرون، 2010، ص188–192).
3- واحة الأحساء
تمثل واحة الأحساء أحد أهم المراكز السكانية والحضارية القديمة في شرق الجزيرة العربية، وقد كشفت النقوش المكتشفة في محيطها عن انتشار المعرفة بالكتابة بين فئات مختلفة من المجتمع. وتشير كثافة الشواهد الكتابية إلى أن استخدام الخط لم يكن مقتصرًا على النخب السياسية أو الدينية، بل أصبح جزءًا من الممارسات الاجتماعية اليومية، وهو ما يعكس درجة من الاستقرار الحضري والتطور الثقافي الذي شهدته المنطقة (السعيد، 2020، ص45–48).
وتُظهر هذه الشواهد مجتمعة أن انتشار الخط المسند في شرق الجزيرة العربية لم يكن مجرد انتقال تقني لأبجدية أجنبية، بل كان جزءًا من عملية حضارية أوسع نتج عنها تفاعل خلاق بين التأثيرات الجنوبية الوافدة والخصوصية الثقافية المحلية. ومن ثم فإن النقوش الحسائية تمثل شاهدًا ماديًا على ديناميكية المثاقفة الحضارية التي أسهمت في تشكيل هوية شرق الجزيرة العربية خلال العصور القديمة، كما تعكس قدرة المجتمعات المحلية على استيعاب العناصر الثقافية الوافدة وإعادة إنتاجها في إطار بيئتها الخاصة.
الخط المسند الأحسائي وخصائصه الفنية واللغوية
لا يُعد المسند الأحسائي نظامًا كتابيًا مستقلاً من الناحية الجينية أو التاريخية، بل يمثل فرعًا إقليميًا من منظومة الخط المسند العربي الجنوبي، نشأ نتيجة انتقال الأبجدية المسندية إلى شرق الجزيرة العربية وإعادة توظيفها لكتابة لهجة محلية تختلف في بعض خصائصها اللغوية عن اللغات العربية الجنوبية القديمة. ومن ثم فإن النقوش الحسائية تمثل نموذجًا واضحًا للتفاعل بين النظام الكتابي الجنوبي والبيئة اللغوية المحلية في شرق الجزيرة العربية، الأمر الذي أكسبها خصائص مميزة على المستويين الفني واللغوي (السعيد، 2020، ص 45–48).
1- الخصائص الفنية والخطية
تكشف دراسة أشكال الحروف في النقوش الحسائية عن احتفاظها بالسمات الأساسية للخط المسند الجنوبي، إلا أنها في الوقت نفسه تُظهر عددًا من التطورات المحلية التي تميزها عن النماذج الكلاسيكية المعروفة في ممالك سبأ ومعين وقتبان وحضرموت.
ومن أبرز هذه الخصائص أن النقاشين المحليين لم يلتزموادائمًا بالدقة الهندسية الصارمة التي تُعرف بها النقوش الجنوبية الرسمية، حيث تبدو بعض الحروف أكثر بساطة ومرونة في التنفيذ، كما تقل حدة الزوايا في بعض النماذج مقارنة بالنقوش السبئية الكلاسيكية. ويُلاحظ كذلك وجود اختلافات طفيفة في رسم بعض الحروف، ولا سيما الحروف ذات التكوين الهندسي المعقد، وهو ما يعكس تطورًا محليًا ناتجًا عن الممارسة المستمرة للكتابة في بيئة تختلف عن موطن الخط الأصلي (السعيد، 2020، ص 48–50).
كما تمتاز النقوش الحسائية بالالتزام الواضح باتجاه الكتابة من اليمين إلى اليسار، وهو الاتجاه السائد في معظم نصوصها المعروفة. ويختلف ذلك عن بعض النقوش العربية الجنوبية المبكرة التي استُخدمت فيها طريقة الكتابة المتعاقبة أو ما يعرف بطريقة «خط المحراث» (Boustrophedon)، حيث يتغير اتجاه القراءة من سطر إلى آخر. ويشير هذا الثبات في اتجاه الكتابة إلى وصول النظام الكتابي في شرق الجزيرة العربية إلى مرحلة من الاستقرار والتقنين النسبي (الذيب، 2017، ص 25).
ومن الناحية الفنية، تتميز النقوش الحسائية بقدرتها على الجمع بين الوظيفة الكتابية والبعد الجمالي؛ فالحروف لم تكن مجرد رموز لغوية، بل شكّلت عنصرًا بصريًا داخل التكوين الفني للنقش، خاصة في الشواهد الجنائزية التي رُتبت فيها الأسطر بعناية لتحقيق نوع من التوازن البصري والتناغم الشكلي. ومن ثم يمكن النظر إلى الخط ذاته بوصفه أحد العناصر الفنية المصاحبة للمكتشفات الأثرية في شرق الجزيرة العربية.
2- الخصائص اللغوية
تُعد الخصائص اللغوية للنقوش الحسائية من أهم الشواهد على التفاعل بين البيئة اللغوية المحلية والنظام الكتابي الوافد من جنوب الجزيرة العربية. فعلى الرغم من استخدام الأبجدية المسندية الجنوبية، فإن لغة النقوش تكشف عن عدد من الظواهر التي تقربها من اللهجات العربية الشمالية القديمة أكثر من قربها إلى اللغات العربية الجنوبية.
ومن أبرز هذه الظواهر استخدام أدوات تعريف تختلف عن تلك المعروفة في النقوش السبئية والمعينية. فقد أظهرت بعض النقوش وجود صيغ تعريف محلية، الأمر الذي يعكس تطورًا لغويًا خاصًا بسكان المنطقة، ويؤكد أن الخط الجنوبي استُخدم لكتابة لهجة عربية محلية لا تنتمي بصورة كاملة إلى البيئة اللغوية الجنوبية (السعيد، 2020، ص 55–58).
كما تكشف النقوش عن اختلافات في صيغ النسب والبنوة، حيث يكثر استعمال اللفظ «بن» للدلالة على الانتساب الأبوي، وهي صيغة أقرب إلى الاستعمالات العربية الشمالية المعروفة، في حين تسود في كثير من نقوش جنوب الجزيرة العربية صيغ أخرى تختلف في بنيتها اللغوية (السعيد، 2020، ص 58).
وتبرز أهمية هذه الظواهر في أنها تؤكد أن النقوش الحسائية لا تمثل مجرد امتداد جغرافي للخط المسند، بل تعكس أيضًا بيئة لغوية مستقلة لها خصائصها المحلية. ولذلك فإن دراسة هذه النقوش لا تسهم في فهم تاريخ الكتابة فحسب، بل تساعد كذلك على تتبع تطور اللهجات العربية القديمة ورصد التفاعلات اللغوية التي شهدتها مناطق شرق الجزيرة العربية قبل الإسلام.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن المسند الأحسائي يمثل نتاجًا حضاريًا محليًا جمع بين الأبجدية الجنوبية الوافدة واللغة المحلية السائدة، الأمر الذي أفرز نموذجًا كتابيًا متميزًا يعكس خصوصية المجتمع الذي استخدمه، ويجعل من هذه النقوش مصدرًا بالغ الأهمية لدراسة التاريخ الثقافي واللغوي لشرق الجزيرة العربية.
الدلالات الحضارية للنقوش الأحسائية
يمثل استنطاق المادة النقشية الحسائية أحد أهم المسارات البحثية في إعادة بناء التاريخ الاجتماعي والثقافي لشرق الجزيرة العربية، إذ لا تقتصر هذه النقوش على كونها نصوصًا كتابية، بل تعد وثائق حضارية تعكس منظومة متكاملة من القيم والعلاقات والبنى الاجتماعية والاقتصادية والدينية التي سادت في المنطقة خلال الفترات السابقة للإسلام.
1- الدلالات الاجتماعية والأسرية
تكشف النقوش الحسائية عن بنية اجتماعية تقوم على أساس قوي من الانتماء القبلي والعشائري، حيث يظهر النسب بوصفه عنصرًا جوهريًا في تحديد الهوية الفردية داخل المجتمع. وغالبًا ما تتضمن النقوش سلاسل نسب ممتدة تُسجل بدقة على شواهد القبور، الأمر الذي يعكس أهمية التوثيق الاجتماعي بوصفه وسيلة لإثبات الهوية وحقوق الملكية المرتبطة بالمقابر أو المواقع الجنائزية، إضافة إلى تأكيد الانتماء داخل الجماعة المحلية (الذيب، 2005، ص 34–36).
وتشير هذه الممارسة إلى أن النسب لم يكن مجرد معلومة تعريفية، بل كان يحمل وظيفة قانونية واجتماعية في آن واحد، إذ يرتبط بحقوق الفرد داخل الجماعة وبمكانته ضمن البنية القبلية. كما يعكس هذا النمط من التوثيق مستوى من التنظيم الاجتماعي الذي يشي بوجود وعي قانوني غير مكتوب قائم على العرف والتقاليد.
ومن الظواهر اللافتة في بعض النقوش الحسائية ظهور نمط «الانتساب للأم» في بعض الصيغ النسبية، حيث يُذكر الفرد منسوبًا إلى أمه بدلًا من أبيه، أو يتم إبراز اسم الأم في سلسلة النسب بشكل واضح. وقد فسّر الباحثون هذه الظاهرة بعدة تفسيرات، من بينها ارتفاع مكانة المرأة في بعض البيئات التجارية والاجتماعية، خاصة في الأسر ذات النشاط الاقتصادي، أو كونها تعبيرًا عن تحالفات أسرية تُبنى عبر المصاهرة وتداخل العلاقات بين العشائر (السعيد، 2020، ص 75–78).
كما يمكن النظر إلى هذا النمط بوصفه مؤشرًا على مرونة البنية الاجتماعية في شرق الجزيرة العربية، حيث لم تكن قواعد النسب ثابتة على نحو صارم، بل كانت قابلة للتكيف وفقًا للسياقات الاجتماعية والاقتصادية. وهذا يعكس وجود مجتمع ديناميكي تتداخل فيه العلاقات الأسرية مع المصالح الاقتصادية، خاصة في البيئات التجارية المرتبطة بطريق القوافل والمراكز الحضرية مثل ثاج والأحساء.
ومن ثم فإن النقوش الحسائية لا تقدم فقط بيانات اسمية عن الأفراد، بل تكشف عن نظام اجتماعي متكامل يقوم على النسب، والهوية، والملكية، والعلاقات الأسرية، وهو ما يجعلها مصدرًا أساسيًا لفهم البنية الاجتماعية لشرق الجزيرة العربية في العصور القديمة، وإعادة بناء أنماط التنظيم الاجتماعي قبل الإسلام.
2. الدلالات الاقتصادية والتفاعلية للنقوش الأحسائية
تعكس أسماء الأعلام الواردة في النقوش الحسائية تنوعًا ديموغرافيًا وثقافيًا واسعًا، يعكس طبيعة شرق الجزيرة العربية بوصفها منطقة تفاعل حضاري نشط أكثر من كونها وحدة اجتماعية مغلقة. فوجود أسماء ذات أصول جنوبية مثل «شرحبيل» و«معد كرب»، إلى جانب أسماء ذات طابع شمالي أو نبطي مثل «حارثة» و«زيد»، يشير إلى اختلاط سكاني واضح نتج عن حركة التجارة والانتقال المستمر بين أقاليم الجزيرة العربية المختلفة (الأنصاري وآخرون، 2010، ص 212–215).
ويُفهم هذا التنوع في ضوء الموقع الاستراتيجي لشرق الجزيرة العربية على طرق التجارة القديمة، حيث شكّلت المنطقة حلقة وصل بين جنوب الجزيرة العربية وبلاد الرافدين وبادية الشام. وقد أدى هذا الدور الوسيط إلى استقبال جماعات بشرية متعددة الانتماءات اللغوية والثقافية، استقرت مؤقتًا أو دائمًا في المراكز الحضرية الكبرى مثل ثاج والأحساء والقطيف، مما أسهم في إنتاج بيئة اجتماعية متعددة المكونات.
ولا يقتصر هذا التنوع على الجانب الاسمي فحسب، بل يعكس أيضًا بُعدًا اقتصاديًا مهمًا، إذ تشير كثافة التفاعل بين المجموعات البشرية إلى نشاط تجاري مستمر قائم على تبادل السلع والخدمات والمعرفة. ومن ثم فإن النقوش لا تمثل مجرد سجلات جنائزية أو تعريفية، بل يمكن قراءتها بوصفها مؤشرات غير مباشرة على حركة الاقتصاد القديم وشبكات التبادل التجاري التي ربطت شرق الجزيرة العربية بمحيطها الإقليمي.
كما يمكن فهم هذا التداخل الثقافي بوصفه نتيجة لعملية تفاعل حضاري مستمرة، لم تكن فيها الهوية الثقافية ثابتة أو منغلقة، بل كانت في حالة إعادة تشكيل دائم عبر الاحتكاك بين التجار والوافدين والسكان المحليين. وقد انعكس هذا التفاعل في اللغة والأسماء وصيغ الكتابة، مما يجعل النقوش الحسائية مصدرًا مهمًا لدراسة ديناميكية الحركة السكانية والاقتصادية في المنطقة.
وبناءً على ذلك، فإن التنوع الاسمي في النقوش الحسائية لا يُقرأ بوصفه ظاهرة لغوية فقط، بل يُعد شاهدًا مباشرًا على دور شرق الجزيرة العربية كمنطقة عبور واستقرار في آن واحد، حيث تداخلت الوظيفة الاقتصادية مع البنية الاجتماعية، وأنتجت نموذجًا حضاريًا قائمًا على الانفتاح والتفاعل المستمر بين الثقافات المختلفة.
3. الدلالات الدينية والميثولوجية للنقوش الأحسائية
تمثل النقوش الحسائية أحد أهم المصادر المباشرة لدراسة البنية الدينية والميثولوجية في شرق الجزيرة العربية قبل الإسلام، إذ تُعد نافذة أساسية لفهم منظومة المعتقدات والآلهة التي كانت سائدة في المنطقة، وما ارتبط بها من تصورات رمزية حول العالم الإلهي وعلاقة الإنسان بالمقدس. وتكشف هذه النقوش عن وجود منظومة دينية متعددة الآلهة (Polytheistic system) تتقاطع في كثير من عناصرها مع المعتقدات السائدة في جنوب الجزيرة العربية وبقية الأقاليم السامية القديمة (جواد علي، 1993، ج6، ص 48–52).
وتُشير النصوص النقشية إلى حضور عدد من الآلهة التي شكّلت ما يمكن وصفه بـ«المجمع الإلهي» (Pantheon)، حيث يظهر الإله **عثتر** بوصفه أحد أبرز الآلهة المرتبطة بالخصب والنجم الزاهر، وهو إله ذو حضور واسع في الديانة العربية الجنوبية القديمة، كما يظهر الإله/الإلهة **شمس** بوصفها قوة حمائية مرتبطة بالنور والحماية والعدالة، وتكشف هذه الثنائية عن تصور ديني يقوم على ربط الظواهر الكونية بالوظائف الإلهية في حياة الإنسان اليومية.
كما ترد إشارات إلى آلهة أخرى مثل **اللات** و**مناة**، سواء بشكل مباشر أو ضمن البنية الاسمية المركبة للأعلام الشخصية، مثل الصيغ التي تبدأ بلفظ «عبد» متبوعًا باسم الإله، وهو ما يعكس انتشار نمط من التدين الشخصي القائم على التعبد الفردي للإله، وربط الهوية الإنسانية بالانتماء الديني عبر التسمية. ويُعد هذا النمط من الأسماء المركبة مؤشرًا مهمًا على عمق التدين في المجتمع، وعلى حضور البعد الديني في تشكيل الهوية الاجتماعية للفرد (جواد علي، 1993، ج6، ص 53–56).
وتُظهر هذه المعطيات أن الدين في شرق الجزيرة العربية لم يكن نظامًا عقائديًا مجردًا، بل كان جزءًا من البنية الاجتماعية والثقافية اليومية، حيث تتداخل الممارسات الدينية مع الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتنعكس في النصوص الجنائزية والتذكارية. كما أن حضور الآلهة في النقوش لا يقتصر على الذكر المباشر، بل يمتد إلى البنية الرمزية للأسماء والصيغ التعبدية، مما يدل على أن اللغة نفسها كانت حاملة للمعنى الديني وليست مجرد أداة وصفية.
ومن منظور ميثولوجي، تعكس هذه النقوش تصورًا كونيًا يقوم على تعدد القوى الإلهية وتوزع وظائفها بين الخصب والحماية والنور والقدر، وهو تصور شائع في الديانات السامية القديمة. كما تشير إلى وجود استمرارية ثقافية بين المعتقدات العربية الجنوبية ونظيراتها في شرق الجزيرة العربية، مع احتمالية إعادة تفسير هذه العناصر الدينية داخل سياق محلي خاص.
وبذلك فإن النقوش الحسائية لا تقدم فقط معلومات عن أسماء الآلهة أو أشكال العبادة، بل تكشف عن بنية فكرية رمزية متكاملة، تتجلى فيها العلاقة بين الإنسان والمقدس، وبين اللغة والرمز، وبين النص والوظيفة الدينية، مما يجعلها مصدرًا رئيسًا لدراسة تاريخ الأديان والميثولوجيا في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام.
النقوش الجنائزية وبنيتها الهيكلية
تشكل الشواهد الجنائزية المكتوبة على أحجار الكلس الأبيض النسبة الأكبر من الكتلة الإبيغرافية المكتشفة في مواقع شرق الجزيرة العربية، ولا سيما في منطقتي الأحساء وثاج، حيث تمثل ما يقارب 90% من مجموع النقوش المعروفة حتى الآن (السعيد، 2015، ص 9–11). ويعكس هذا التركز الواضح في الطابع الجنائزي للنقوش طبيعة الاستخدام الاجتماعي للكتابة، بوصفها وسيلة لتوثيق الذاكرة الفردية وإثبات الهوية داخل السياق الجنائزي، أكثر من كونها أداة إدارية أو سياسية بالمعنى المؤسسي المباشر.
ومن الناحية البنيوية، تكشف دراسة هذه النصوص عن انتظام صيغي واضح يدل على وجود تقليد كتابي مستقر نسبيًا، حيث تتكرر البنية العامة للنقش الجنائزي في شكل نمطي يكاد يكون ثابتًا، وهو ما يعكس بدوره تصورًا فكريًا موحدًا حول الموت والذكرى والخلود الرمزي داخل المجتمع القديم (Kitchen, 1994, p. 76). ويُعد هذا الثبات البنيوي مؤشرًا على أن الكتابة الجنائزية لم تكن فعلًا فرديًا عشوائيًا، بل ممارسة ثقافية محكومة بأعراف لغوية واجتماعية راسخة.
ويمكن تفكيك البنية الهيكلية للنقش الجنائزي الأحسائيالكلاسيكي إلى عناصر رئيسة متكررة، تتمثل عادة في:
عنصر الافتتاح أو التعيين الذي يحدد طبيعة النص بوصفه نقشًا جنائزيًا.
اسم المتوفى مع عناصر نسبه.
الصيغة الفعلية المرتبطة بالموت أو التوثيق (مثل الإخبار أو الإعلان عن الوفاة).
الإشارة إلى مكان الدفن أو القبر.
وأحيانًا عنصر دعائي أو رمزي مرتبط بالحماية أو التذكير.
وتُظهر هذه البنية أن النص الجنائزي كان يعمل كوحدة لغوية متكاملة تجمع بين الوظيفة التوثيقية والبعد الرمزي، حيث لا يقتصر دوره على تسجيل الوفاة، بل يمتد إلى تثبيت هوية المتوفى داخل الذاكرة الجمعية للمجتمع.
وتكتسب هذه البنية أهميتها الخاصة عند ظهور المفردة الافتتاحية «نَفْس» في عدد من النقوش، والتي تُستخدم للدلالة على النصب التذكاري أو العلامة المقامة للمتوفى، وهي صيغة ذات جذور سامية قديمة نجد نظائرها في اللغات الآرامية والنبطية. ويشير هذا التشابه إلى وجود روابط لغوية وثقافية أوسع بين لهجة شرق الجزيرة العربية القديمة والبيئات السامية الشمالية، مما يعزز فرضية التفاعل الحضاري واللغوي بين هذه المناطق (السعيد، 2020، ص 98–101).
ويعكس استخدام هذه الصيغ أيضًا تصورًا خاصًا للموت، يقوم على تحويل القبر إلى علامة ذاكرية دائمة، بحيث يصبح النقش وسيطًا بين عالم الأحياء والموتى، وأداة لحفظ الاسم من النسيان، وهو ما يمنح النص الجنائزي بعدًا رمزيًا يتجاوز وظيفته التوثيقية المباشرة.
النقوش الجنائزية وبنيتها الهيكلية دراسة تطبيقيّة للنقش جاوان
تشكل الشواهد الجنائزية المحفورة على أحجار الكلس الأبيض ما يقارب 90% من الكتلة الإبيغرافية المكتشفة في شرق الجزيرة العربية (السعيد، 2015، ص 9–11). وتتبع هذه النصوص بنية صيغية نمطية تعكس الفكر الجنائزي القديم الراغب في نقل المتوفى من الفناء الفيزيائي إلى الخلود الرمزي.
وفي سياق هذه البنية النمطية، برزت معطيات نقشية جديدة تخرق هذا الاستقرار الصيغي، وتفتح آفاقاً جديدة للتفسير التاريخي. وفيما يلي دراسة تحليلية مفصلة لنقش جنائزي حسائي نادر سرق من موقع جاوان الاثري ولوحظ وجوده معروضا للبيع في احد المواقع الاجنبية:
1. القراءة الإبيغرافية للنقش:
ن ع ا / و ق ب ر / ن ت ش ت / ب ن [ت] / ط ب ت / ب ن ت / ع ح ن س / ذات / ا ب / س ع ذ ا ب
2. القراءة اللفظية باللغة العربية الحديثة
"نعينا وقبرنا نتشة بنت طيبة بنت عحناس ذات أب سعذأب"
3. التحليل الفيلولوجي واللغوي لمفردات النقش
ن ع ا (نعى): فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر. يمثل هذا اللفظ الابتكار الإبيغرافي الأهم في هذا النقش؛ إذ جرت العادة في النقوش الحسائية أن تستهل الشواهد بأسماء جامدة مثل (ن ف س) أو (ق ب ر) أو أفعال دفن مباشرة مثل (ل ح د). ورود الجذر (ن ع ي) الذي يعني لغوياً "الإشاعة والإخبار بالوفاة وإعلان الحزن" (كما ورد في لسان العرب وتاج العروس) يضفي صبغة تفجعية وإخبارية نادرة على النص لم تظهر في الشواهد الكلاسيكية السابقة في المنطقة.
و ق ب ر (وقَبَرَ): الواو حرف عطف، و(قَبَرَ) فعل ماضٍ مبني على الفتح بمعنى "دَفَنَ"، والفاعل ضمير مستتر. وجاء الفعل هنا معطوفاً على "نعى" ليؤكد تراتبية الحدث الجنائزي (الإعلان ثم المواراة)، على الرغم من أن اللفظ قد يحتمل اسماً في سياقات أخرى، إلا أن موقعها التركيبي هنا يعزز الفعلية.
ن ت ش ت (نتشت/نتشة): اسم علم مؤنث، ينتهي بتاء التأنيث الصريحة المكتوبة في المسند. والجذر اللغوي (ن ت ش) يحمل في المعاجم العربية معاني الجذب والأخذ بقوة (لسان العرب: نتش الشيء أي جذبه واقتطفه)، ولعل التسمية ترتبط بصفات القوة أو الانقاذ.
ب ن [ت] (بنت): وردت في النقش (ب ن) مع تآكل طفيف في الحرف الثالث، والسياق يفرض حتماً سقوط حرف التاء (علامة التأنيث) سهواً من النقاش أو بسبب عوامل التعرية، وهي أداة النسب المؤنثة المفردة.
ط ب ت (طبت/طيبة): اسم علم مؤنث، مضاف إليه في سياق النسب، وهو مشتق من الطيب والصلاح.
ب ن ت (بنت): تكرار أداة النسب لإلحاق الجيل الثالث بالجيل الثاني.
ع ح ن س (عحناس/عحنس): اسم علم شخصي، يُحلل صرفياً على وزن (فِعْلان أو فِعْلال). وهو من الأسماء النادرة التي قد تحمل أصولاً محلية خاصة بإقليم شرق الجزيرة العربية، ولا يظهر له اشتقاق لغوي واضح في المعاجم العربية الشمالية الكلاسيكية.
ذات أ ب (ذات أب): صيغة النسبة والتملك للمؤنث في قواعد الخط المسند، وتقابلها للمذكر صيغة (ذو). وتعني في السياق النقشي: "المنتسبة إلى بيت" أو "من عشيرة".
س ع ذ ا ب (سعذ أب / سعد أب): اسم العشيرة أو القبيلة الحاضنة. ويلاحظ هنا ظاهرة إبدال الدال ذالاً (سعذ بدلاً من سعد)، وهي ظاهرة صوتية موثقة في لهجات شرق الجزيرة العربية القديمة نتيجة لتقارب المخارج الفونولوجية بين الصوتين الأسليين، واللفظ مركب تركيباً إضافياً من (سعد + أب).
4. الدلالات السوسيولوجية والتاريخية للنقش
يقدم هذا النقش معطيات سوسيولوجية استثنائية يمكن حصرها في فرضيتين تفسيريتين:
الفرضية الأولى: المكانة الأرستقراطية والنظام الأمومي المزدوج
يتميز النقش بـ غياب كامل لاسم الأب، واستبداله بسلسلة نسب أنثوية مزدوجة وعمودية (بنت + بنت). هذا الانزياح عن النمط البطريركي السائد يشير إلى احتمال أن المتوفاة (نتشة) تنتمي إلى طبقة النبلاء أو البلاط الملكي لحاضرة عين جاوان أو ثاج، حيث نُسبت لスのالة أمومية ذاتحظوة سياسية أو دينية واضحة في المجتمع جعلت ذكر الأم والجدة يتفوق على ذكر الأب. ومع ذلك، فإن هذه الفرضية تصطدم بـ ملحوظة خطية بالغة الأهمية؛ فالخط المنفذ على الحجر يتسم بالرداءة وعدم الانتظام الهندسي، وهو ما لا يتسق عادة مع النقوش الملكية الرسمية التي ينفذها كتبة محترفون.
الفرضية الثانية: الخصوصية اللهجية العائلية والمحلية
إذا استبعدنا البعد الأرستقراطي بسبب جودة الخط السيئة، فإن النقش يقدم دليلاً على وجود "نظام تمثيل هوية محلي" مرن في بعض عشائر الأحساء القديمة؛ حيث يُسمح بتتبع الخط الأمومي عند غياب الأب (بسبب الوفاة المبكرة أو لجهالة النسب لسبب قهري)، أو لإبراز سلالة تملك حيازةقانونية للأرض أو المقبرة العائلية، مما جعل صيغة "ذات أب" تأتي في نهاية النص لتربط هذه السلالة الأمومية بالقبيلة الأكبر (سعذ أب) لتأكيد شرعية الدفن والمواطنة (السعيد، 2020، ص 101).
يمثل الخط المسند الأحسائي في كليته، والنقش الجنائزي المدروس في جزئيته، شواهد مادية حية على حركية المجتمع القديم في شرق شبه الجزيرة العربية. إن الانتقال من الأنماط الصارمة للمسند الجنوبي إلى نصوص نادرة تستخدم أفعالاً تراجيدية مثل "نعى"، وتعتمد التوثيق الأمومي، يبرهن على أن إقليم البحرين القديم لم يكن تابعاً ثقافياً باهتاً، بل كان مركزاً يملك القدرة على الإبداع اللغوي والخطّي، وصياغة هوية اجتماعية متوائمة مع ظروفه الخاصة.
المراجع العربية
الأنصاري، عبد الرحمن الطيب، والسعيد، سعيد بن فايز، والذيب، سليمان بن عبد الرحمن. (2010). قرية الفاو: صورة للحضارة العربية قبل الإسلام في المملكة العربية السعودية. دار القوافل للنشر والتوزيع.
بافقيه، محمد عبد القادر. (1985). مقدمة في نقوش العربية الجنوبية القديمة. دار الهمداني للطباعة والنشر.
بوتس، دانيال ت. (2003). الخليج العربي في العصور القديمة: من أقدم العصور حتى مجيء الإسلام (ترجمة أحمد إيبش، ج 2). هيئة أبوظبي للثقافة والتراث.
الذيب، سليمان بن عبد الرحمن. (2005). نقوش ثاج. مؤسسة عبد الرحمن السديري الخيرية.
الذيب، سليمان بن عبد الرحمن. (2017). الكتابات القديمة في المملكة العربية السعودية. مكتبة الملك فهد الوطنية.
السعيد، سعيد بن فايز. (2015). نقوش جنائزية جديدة بخط المسند من موقع ثاج بشرق الجزيرة العربية. مجلة أدوماتو، (31)، 7–34.
السعيد، سعيد بن فايز. (2020). مدونة نقوش شرق الجزيرة العربية القديمة (النقوش الحسائية). كرسي الدكتور عبد الرحمن الأنصاري للدراسات الآثارية، جامعة الملك سعود.
عبد الله، يوسف محمد. (1990). دراسات في التاريخ والنقوش اليمنية القديمة. دار الفكر المعاصر.
العتيبي، عوض بن علي. (2012). الملامح اللغوية لنقوش شرق الجزيرة العربية قبل الإسلام. مجلة جامعة الملك سعود - الآداب، 24(2)، 115–142.
علي، جواد. (1993). المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (ج 6). دار العلم للملايين.
ثانياً: المراجع الأجنبية (Foreign References)
Kitchen, K. A. (1994). Documentation for Ancient Arabia: Part I: Chronological Framework and Historical Sources. Liverpool University Press.
Müller, W. W. (1974). Hasaitische Inscriptions. NeueEphemeris für Semitische Epigraphik, 2, 41–48.
---
أزهر عبدالله التوبي
باحث اثار



