الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

لم أخرج أشرًا ولا بطرًا… شعار حياة

د. ماهر آل سيف · القطيف اليومالأربعاء 17 يونيو 2026، 12:07 م
لم أخرج أشرًا ولا بطرًا… شعار حياة

قال الإمام الحسين عليه السلام في كلمته الخالدة: «إني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح».

كلمةٌ ليست للتاريخ وحده، بل للحياة كلّها؛ فهي تعلّمنا أن الإنسان النبيل لا يتحرك لترفٍ فارغ، ولا لعنادٍ فاجر، ولا لإرضاء جمهورٍ عابر، وإنما يتحرك لهدفٍ أوضح من الشمس، وأنقى من الفجر، وأثبت من الجبل.

ومن هنا أقولها بهدوءٍ لا بجفاء، وبوضوحٍ لا بكبرياء: أنا لا أعيش لكي أرضيك، ولا أمضي عمري لكي أملأ فراغ توقعاتك، ولا أبدّد أيامي في ملاحقة رضاك وسخطك. لي حياتي، ولي حساباتي، ولي عباداتي، ولي أسرتي، ولي عملي، ولي تجارتي، ولي همومي التي لا تراها، ومسؤولياتي التي لا تعلم عنها، وأولوياتي التي رتّبتها بميزان العقل والدين والضمير.

ليس من حقي أن أحاسبك على ما تفكر فيه، وليس من حقك أن تحاسبني على ما لا يضرك. لست مسؤولًا عن ظنونك، كما أنك لست مسؤولًا عن خواطري. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾. فكل إنسان مؤتمنٌ على قلبه، محاسبٌ على قصده، مطالبٌ بسعيه، لا بسعي غيره، ولا بوهم غيره، ولا بمزاج غيره.

إن أردتُ أن أبدع فلا بد أن أركّز، وإن أردت أن أنجز فلا بد أن أميّز، وإن أردت أن أعطي فلا بد أن أرتّب. فالوقت إن تفرّق ضاع، وإن ضاع الهمّ انطفأ اللمعان، وإن عاش الإنسان لكل نداءٍ عابر، ماتت في داخله الرسالة، وتبعثرت منه البشارة. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». ومسؤوليتي الأولى أن لا أضيّع الرعية القريبة من أجل مجاملةٍ بعيدة، ولا أن أهمل الواجب الثابت من أجل خاطرٍ متقلّب.

لا تعاتب الناس لأنهم رتّبوا أولوياتهم بصدق، ولا تحاكمهم لأنهم لم يجعلوك في صدر جدولهم كل يوم. فمن الناس من يحمل بيتًا، ومنهم من يحمل دينًا، ومنهم من يحمل والدين، ومنهم من يحمل أبناءً، ومنهم من يحمل عملًا، ومنهم من يصارع رزقًا، ومنهم من يخفي تعبًا لا يُقال، ووجعًا لا يُرى، وهمًّا لا يُذاع.

نعم، نحن لا ندعو إلى القطيعة، ولا نزيّن الجفوة، ولا نبارك القسوة. فصلة الرحم دين، وحسن الخلق زين، وجبر الخواطر نور، ومراعاة الأحباب سرور. ولكن الفرق كبير بين أن أزورك محبة، وأن أُستنزف مطالبة؛ بين أن أجاملك وفاء، وأن أُساق إليك إكراهًا؛ بين أن أعطيك من فائض وقتي بود، وأن تطالبني بأصل وقتي وكأنك مالكه ومولاه.

قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ۝ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾؛ أي أن حياة المؤمن ليست فراغًا مبعثرًا، بل انتقالٌ من واجبٍ إلى واجب، ومن عبادةٍ إلى عمارة، ومن إصلاح نفسٍ إلى خدمة ناس. وقال سبحانه: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، فمن أراد ثمرةً فليزرع، ومن أراد قربًا فليقدّر، ومن أراد مكانةً فليحسن المعاملة، لا أن يطلبها بالملامة.

لا تجعل محبتك عبئًا، ولا صداقتك قيدًا، ولا عتابك سوطًا. من أحبك حقًا أعانك على رشدك، ولم يزاحمك في واجبك. ومن عرف قدرك احترم وقتك، ومن صفا قلبه فهم عذرك، ومن نضج عقله لم يجعل غيابك إهانة، ولا انشغالك خيانة، ولا ترتيب أولوياتك جريمة.

إن الحياة ليست ساحة لإرضاء كل ناظر، ولا مسرحًا لتصفيق كل حاضر. الحياة رسالة، ومن عاش بلا رسالة عاش عالة؛ ومن ركض خلف كل رضا، خسر رضا الله وراحة القلب ووضوح الطريق. فلا تكن أسيرًا لمن يريدك متى شاء، وكيف شاء، وحيث شاء، ثم إذا قصّرت يومًا أقام عليك محكمة الظنون، ورفع عليك راية العتاب، ونسي ما لك من حقوق، وما عليك من واجبات.

أنا أعيش لأعبد ربي، وأحفظ أهلي، وأصون وقتي، وأبني نفسي، وأخدم وطني، وأؤدي عملي، وأصل رحمي قدر استطاعتي. فإن بقي من الوقت متّسع، ومن الجهد متّكأ، ومن القلب نافذة، فمرحبًا بك في مساحة المودة، لا في ساحة المطالبة؛ ومرحبًا بك في مجلس الوفاء، لا في محكمة اللوم والجفاء.

ولذلك، لا أخرج في حياتي أشرًا ولا بطرًا، ولا تكبرًا ولا تنكرًا، ولا هربًا من الناس ولا احتقارًا لهم؛ وإنما أخرج لإصلاح شأني، وترتيب عمري، وصيانة روحي، وحفظ رسالتي. فمن فهمني فله الود، ومن عذرني فله الشكر، ومن عاتبني بإنصاف فله الاحترام، ومن أراد أن أعيش على مقاس رغبته، فليعلم أن العمر أمانة، وأن القلب أمانة، وأن الطريق إلى الله لا يُقطع بمجاملة كل عابر، بل بصدق النية، وحسن السعي، وسلامة الأثر.