الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

نظرية القبقب ( السلطعون).. لماذا يحاول البعض سحب الآخرين إلى الأسفل؟

اسماعيل هجلس · القطيف اليومالسبت 20 يونيو 2026، 12:42 م
نظرية القبقب ( السلطعون).. لماذا يحاول البعض سحب الآخرين إلى الأسفل؟

موضوع مهم، لأنه لا يتناول مجرد “نظرية”، بل يسلط الضوء على أحد أنماط السلوك الاجتماعي التي ناقشها علماء النفس والاجتماع تحت مفاهيم متعددة مثل الحسد الاجتماعي، وضغط الجماعة، ومقاومة التغيير، والسلوك المثبط للإنجاز ، ويمكن توظيف “نظرية السلطعون” كمدخل تربوي مبسط لفهم هذه السلوكيات

فهم الإنسان .
في عصر تتسارع فيه المعرفة وتتجدد فيه الدراسات الإنسانية والتربوية بصورة مستمرة، أصبحت الحاجة إلى الاطلاع على المفاهيم الحديثة ضرورة لا تقل أهمية عن تعلم العلوم التقليدية ، فالكثير من النظريات والأفكار المعاصرة لا تقدم معلومات جديدة فحسب، بل تساعدنا على فهم الإنسان والمجتمع بصورة أعمق، وتمكننا من تربية الأبناء على (الوعي ) والقدرة على التعامل مع مختلف المواقف الحياتية.

حب المعرفة .
ومن الجميل أن نغرس في أبنائنا حب التعلم والاستزادة من المعرفة، وأن نعرّفهم ببعض المفاهيم السلوكية التي تناولتها الدراسات النفسية والاجتماعية، لأنها تمنحهم أدوات لفهم ما يدور حولهم من تفاعلات وعلاقات إنسانية ، فالمعرفة ليست مجرد معلومات تحفظ، بل هي وسيلة لفهم الذات والآخرين، وبناء شخصية متوازنة قادرة على مواجهة التحديات بثقة ووعي ، ومن بين المفاهيم التي شاع تداولها في الأدبيات التربوية والتنموية ما يعرف بـ “نظرية السلطعون” أو “عقلية السلطعون”، وهي صورة رمزية تصف نمطاً من السلوك الاجتماعي الذي يتكرر في بعض المجتمعات والبيئات الإنسانية.

مدخل إلى نظرية القبقب؟
يروي بعض الصيادين أنهم عندما يصطادون سلطعوناً واحداً ويضعونه في سطل ، فإنهم يحرصون على تغطيته حتى لا يتمكن من الخروج أو الهروب ، أما إذا كان السطل يحتوي على مجموعة من السلطعونات أو السرطانات أو “القباقب”، فإنهم يتركونه مكشوفاً دون خوف من خروجها !!!!! .

لماذا ؟
وقد استُخدمت هذه الملاحظة كمثال توضيحي لسلوك اجتماعي معروف ، إذ يلاحظ أن السلطعون عندما يحاول الصعود والخروج، يقوم غيره بجذبه إلى الأسفل، فيفشل الجميع في الهروب ! ومن هنا ظهر مصطلح “عقلية السلطعون”، الذي يعبّر مجازاً عن بعض السلوكيات البشرية التي تقوم على فكرة: إذا لم أستطع التقدم، فلماذا يتقدم غيري؟
ولا يقصد بهذا المفهوم التعميم على الناس، فالأصل في المجتمعات الإنسانية التعاون والتكامل، إلا أن هذه السلوكيات تظهر أحياناً بدرجات متفاوتة في بعض البيئات والمواقف.

عندما يصبح نجاح الآخرين مصدر للهم والغم والإزعاج !؟
من الملاحظ أن بعض الأشخاص عندما يشاهدون فرداً يسعى إلى تطوير نفسه أو تعلم مهارة جديدة أو تنفيذ مشروع ثقافي أو علمي أو مهني، لا يبادرون إلى تشجيعه أو دعمه، بل يحاول البعض التقليل من أهمية ما يقوم به ، وقد لا يظهر هذا السلوك بصورة مباشرة أو عدائية، بل يأتي أحياناً في شكل تعليقات عابرة أو ملاحظات تبدو عفوية، مثل التقليل من قيمة الفكرة، أو التشكيك في جدوى الجهد المبذول، أو الاستهانة بالوقت الذي يخصصه الإنسان للتعلم والبحث والتطوير ! ولعل من الأمثلة التي تتكرر في حياتنا اليومية أن يبادر شخص إلى مشروع ثقافي أو بحثي أو توثيقي يحتاج إلى سنوات من الجهد والمال والعمل والصبر، فيواجه بعبارات من قبيل: “وما الفائدة من ذلك؟” أو “لن يستفيد أحد من هذا الجهد” أو “ابحث عن شيء أكثر أهمية” ! أو يتعب روحه على الفاضي ، ! وغالباً لا تكون هذه العبارات نابعة من معرفة دقيقة بقيمة المشروع، وإنما من رؤية محدودة لا تدرك أثر العمل على المدى البعيد ، وقد أثبتت التجارب أن كثيراً من المبادرات العلمية والثقافية والفكرية التي قوبلت بالتشكيك في بداياتها، أصبحت لاحقاً مصادر مهمة للمعرفة وحفظ التاريخ وخدمة المجتمع.

التفسير النفسي والاجتماعي للسلوك.
يشير علماء النفس إلى أن الإنسان بطبيعته يميل إلى المقارنة الاجتماعية، وهي عملية يقارن من خلالها نفسه بالآخرين لتقييم قدراته وإنجازاته ، وعندما يشعر بعض الأفراد بأن نجاح شخص آخر يكشف جوانب التقصير لديهم، قد يتولد لديهم شعور بعدم الارتياح ، وبدلاً من استثمار هذا الشعور في تطوير الذات واكتساب مهارات جديدة، قد يلجأ البعض إلى أساليب أسهل تتمثل في التقليل من إنجاز الآخرين أو التشكيك في قدراتهم أو محاولة تثبيطهم ، وهنا تكمن خطورة هذا السلوك، لأنه لا يعيق الفرد المتميز فحسب، بل قد يخلق بيئة اجتماعية لا تشجع على الإبداع والمبادرة والابتكار.

الأهمية التربوية لفهم سلوك القبقب.
تكمن القيمة الحقيقية لهذا المفهوم في جانبه التربوي، فمعرفة الأبناء بوجود مثل هذه الأنماط السلوكية تجعلهم أكثر استعداداً للتعامل معها بوعي واتزان ، فعندما يدرك الشاب أو الفتاة أن بعض التعليقات السلبية لا تعكس بالضرورة حقيقة قدراتهما، يصبحان أكثر ثقة بأنفسهما وأقل تأثراً بالإحباط أو التشكيك.

كما يساعد فهم هذه السلوكيات على:

• تعزيز الثقة بالنفس.

• التمييز بين النقد البنّاء والنقد الهدام.

• المحافظة على الحافز والدافعية.

• احترام نجاح الآخرين والاستفادة من تجاربهم.

• تنمية القدرة على اتخاذ القرار باستقلالية.

• بناء شخصية إيجابية لا تعتمد على مقارنة نفسها بالآخرين.

نقطة مهمة جداً .

أن يتعلم الأبناء أن نجاح الآخرين لا ينتقص من فرص نجاحهم، وأن الإنجاز ليس مورداً محدوداً يتنافس عليه الناس، بل مساحة واسعة تتسع للجميع.

مجتمع البناء أم مجتمع الإحباط؟
إن المجتمعات التي تحقق التقدم لا تقوم على إضعاف المتميزين أو محاربة أصحاب المبادرات، وإنما تقوم على تشجيع الطاقات ودعم الأفكار الجديدة واحتضان المبدعين ، فكل نجاح يحققه فرد في المجتمع ينعكس بصورة أو بأخرى على محيطه، وكل فكرة نافعة أو مشروع ناجح يمثل إضافة جديدة لرصيد المعرفة والخبرة والتنمية ، ولهذا فإن من أجمل القيم التي ينبغي أن نغرسها في أبنائنا أن (يفرحوا) لنجاح الآخرين كما يفرحون لنجاحهم، وأن ينظروا إلى المتميزين باعتبارهم مصادر إلهام وقدوة، لا باعتبارهم منافسين يجب إيقافهم.

عتبات للنجاح .

1. تعزيز ثقافة التعلم المستمر والاطلاع على المفاهيم الحديثة في التربية وعلم النفس والاجتماع.

2. تعليم الأبناء كيفية التعامل مع الانتقادات السلبية دون أن تؤثر في ثقتهم بأنفسهم.

3. تشجيع المبادرات الفردية والإبداعية داخل الأسرة والمدرسة.

4. ترسيخ قيمة احترام نجاح الآخرين والاحتفاء بالمنجزات الإيجابية.

5. تنمية مهارات التفكير النقدي التي تساعد على التمييز بين النصيحة الصادقة والتثبيط المقصود.

6. بناء بيئات اجتماعية وتعليمية تدعم الإنجاز وتشجع على تبادل الخبرات والمعارف.

نقطة أول السطر .
إن فهم السلوك البشري من أهم أبواب المعرفة التي يحتاجها الإنسان في حياته، لأنه يساعده على تفسير الكثير من المواقف والتفاعلات الاجتماعية التي يمر بها ، وتبقى “نظرية السلطعون” مثالاً تربوياً مفيداً يلفت الانتباه إلى أهمية دعم الآخرين بدلاً من إعاقتهم، وتشجيع النجاح بدلاً من محاربته ، وحين نعلم أبناءنا هذه المفاهيم، فإننا لا نزرع فيهم الحذر من المجتمع، بل نمنحهم وعياً أعمق بطبيعة الحياة، وقدرة أكبر على الثبات أمام التحديات، وإيماناً بأن الطريق إلى النجاح لا يكون بسحب الآخرين إلى الأسفل، وإنما بالارتقاء بالنفس إلى الأعلى، والعمل الجاد، والتعلم المستمر، واحترام إنجازات الآخرين.