حين انتصر الحُرّ على خطيئته

ليس أعظم في سيرة الحُرّ بن يزيد من أنه لم يكن ملاكًا بلا زلّة، ولا صالحًا بلا عثرة، بل كان إنسانًا تاه ثم تاب، وخاف ثم أناب، وتردّد ثم اختار، ووقف على حافة الهلاك ثم عاد إلى طريق النجاة. كان في أول الطريق جزءًا من مشهدٍ قاده إلى موقف صعب، ثم أصبح في آخره نموذجًا للشجاعة في مراجعة النفس؛ وكأن الحياة أرادت أن تقول لنا: ليست العبرة بمن بدأ قريبًا، بل بمن انتهى صادقًا، وليس المجد لمن لم يخطئ، بل لمن عرف خطأه فارتقى، وغسل ماضيه بدمع الندم وصدق التوبة.
لقد وقف الحُرّ بين ما اعتاده وما أيقظه ضميره إليه؛ بين دنيا تُغريه، وآخرة تُناديه؛ بين منصبٍ يرفعه في أعين الناس، وموقفٍ يرفعه عند رب الناس. فسمع في داخله صوت الضمير، لا ضجيج الجموع، ورأى ما اقتنع بأنه الصواب، لا ما اعتاده من قبل، وقالها بلسان الحال قبل المقال: كيف أختار ما أراه خطأً وأترك ما أراه صوابًا؟
وها هو الحُرّ يعطينا هذا الدرس في كل زمان ومكان: إن كنت مديرًا فاختر طريق الحق، وإن خسرت بعض المزايا، وقل كلمة العدل ولو قلّ التصفيق وكثر اللوم والضجيج. وإن كنت عضوًا في جمعية خيرية، أو نادٍ اجتماعي، أو لجنة تنمية، أو مؤسسة تطوعية، فاعلم أن العمل هناك تكليف لا تشريف، وخدمة لا وجاهة، وأمانة لا زينة. فإن رأيت المنصب تاجًا على الرأس لا حملًا على الكتف، فراجع نفسك قبل أن تراجع الناس، وصحّح قصدك قبل أن تصحّح غيرك.
وهنا تتجلّى البطولة: ألا تكابر حين تعرف، وألا تتمسّك بالموقف الخطأ حين تنكشف لك الحقيقة. فكم من إنسان رأى الصواب ثم خاصمه، وعرف الحق ثم خذله، لا لأنه لا يدري، بل لأنه لا يريد أن يقال: أخطأ. والحُرّ لم يبرّر خطأه، ولم يجمّل زلّته، ولم يقل: الأوامر فوق الضمائر، والناس مع الناس، والقرار مع الأقوياء؛ بل كسر قيده، وخلع خوفه، وغيّر موقفه تائبًا، نادمًا، خاشعًا، يرجو القبول قبل الوصول.
الحُرّ يعلمنا أن الإنسان قد يسقط، لكنه لا يجب أن يستقرّ في السقوط؛ وقد يضلّ، لكنه لا ينبغي أن يخاصم الرجوع؛ وقد يتأخر عن الصواب، لكنه إن صدق، أدركه الصواب واحتضنه النجاح. فالتوبة ليست كلمة تُقال، بل موقف يُبذل، ودمعة تُصدق، وخطوة تُنقذ، وقرار يُولد منه إنسان جديد.
سلامٌ على الحُرّ يوم غلب نفسه، وسلامٌ عليه يوم اختار ما اقتنع به على ما اعتاده، وسلامٌ عليه يوم علّمنا أن باب التوبة مفتوح، وأن طريق الله لا يُغلق في وجه من عاد، وأن أعظم انتصار… أن ينتصر الإنسان على خطيئته.



