أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

حين يلبس القلب حزنه

د. ماهر آل سيف · القطيف اليومالأربعاء 24 يونيو 2026، 11:48 ص
حين يلبس القلب حزنه

حضرتُ قبل مدة عزاءً لوالد صديق عزيز من جنسية أجنبية، فرأيت عندهم عادةً جميلة في معناها، مؤثرة في مبناها؛ إذ يلبس أهل الفقيد السواد طوال أيام العزاء، ويلبس من يقرب إليهم السواد كذلك، لا لأنه فريضة مفروضة، ولا لأنه حكم يُلزم الناس إلزامًا، بل لأنه لغة صامتة، ورسالة سامية، تقول بلا صوت: إن في القلب حزنًا، وفي العين دمعًا، وفي الروح وفاءً.

ومن هنا خطر في بالي معنى لطيف لا إلزام فيه ولا خصام: نحن في عاشوراء نعيش ذكرى الحسين عليه السلام، ذكرى الضمير حين نطق، والدم حين صار درسًا للأمم لا ينطفئ ولا يندثر، فمن أراد أن يلبس السواد حبًّا ووفاءً، فليجعله قبل أن يكون لونًا على الثوب، نورًا في السلوك، وصفاءً في القلب، وصدقًا في الطريق. فليس أجمل من سوادٍ يذكّر صاحبه بأن يُصلح خلافه مع أهله، وأن يلين مع أصدقائه، وأن يطهر قلبه من قطيعة أو قسوة أو خصومة.

إن سواد الحسين لا يليق به قلبٌ مصرّ على العناد، ولا لسانٌ مشغول بالإساءة، ولا يدٌ تمتد إلى ظلم، ولا نفسٌ تتكبر عن التوبة والاعتذار. فمن لبس السواد فليقل لنفسه: هذا ثوب حزن لا ثوب عادة، وهذا لون وفاء لا لون مباهاة، وهذه ذكرى إمامٍ خرج للإصلاح، فكيف أحزن عليه وأنا أؤجل إصلاحي؟ وكيف أواسيه وأنا لا أواسي قريبًا، ولا أصل رحمًا، ولا أطفئ نار خلاف؟

نعم، لسنا سواءً في طرائق التعبير؛ فمنا من يلبس السواد، ومنا من لا يلبسه، ومنا من يبكي بعينه، ومنا من يبكي بقلبه، ومنا من يظهر حزنه في سلوكه، ومنا من يحمله في صمته. ولا ينبغي أن يكون الحزن بابًا للحكم على الناس، ولا ميزانًا للطعن في النيات، فالله أعلم بما في الصدور، وأقرب إلى خفايا الشعور.

لكن الجميل، والنبيل، والأقرب إلى الوفاء، أن يظهر أثر عاشوراء في مجالسنا وبيوتنا وقلوبنا؛ فإذا رأينا السواد في مجلس الحسين، فلنقرأه قراءة إصلاح لا قراءة إلزام، وقراءة توبة لا قراءة تشدد، وقراءة محبة لا قراءة مفاخرة. فالحسين لم يكن لونًا يُلبس فحسب، بل كان مبدأً يُعاش، وصدقًا يُتّبع، ورحمةً تُنشر، وعدلًا يُنصر.

فلنحزن برقي، ولنواسي بوعي، ولنلبس السواد إن استطعنا بحب لا بخصام، وبأدب لا بإلزام، وبروح تجمع ولا تفرق، وتوقظ ولا تجرح. وليكن سوادنا عهدًا صادقًا: أن نُنهي خلافًا، ونردّ حقًا، ونصل رحمًا، ونترك معصية، ونبدأ صفحةً أنقى مع الله والناس. فالسواد حين يلبسه القلب قبل الثوب، يصبح توبة وفاء، لا عادة عزاء.