أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

العظامة ضيوف بلا دعوة ولا كرامة

محمد الصغير · القطيف اليومالثلاثاء 30 يونيو 2026، 10:57 ص
العظامة ضيوف بلا دعوة ولا كرامة

في كل مجتمع تبقى المناسبات الاجتماعية عنوانا للمحبة وصلة الرحم ومشاركة الناس أفراحهم ويظل الكرم من أجمل القيم التي توارثتها الأجيال حيث يفتح أصحاب المناسبات أبوابهم وقلوبهم لاستقبال ضيوفهم ويبذلون ما يستطيعون ليظهر الاحتفال بأفضل صورة ممكنة

لكن في السنوات الأخيرة برزت ظاهرة غريبة أخذت تنتشر في بعض المجتمعات وأصبحت حديث المجالس وهي ظاهرة من يطلق عليهم اسم العظامة وهم أشخاص يحضرون حفلات الزواج والولائم والمناسبات المختلفة من غير دعوة ولا سابق معرفة بأصحاب المناسبة وكل ما يعنيهم هو الوصول إلى مائدة الطعام ثم المغادرة بعد أن يحققوا غايتهم

ويقال إن أصل هذه التسمية جاء من العراق ثم انتقلت إلى بعض دول الخليج حتى أصبحت متداولة في محافظة القطيف وغيرها من المناطق وأصبحت الكلمة تختصر سلوكا لم يكن معروفا في مجتمعنا بهذه الصورة

وما يثير الدهشة أن الأمر لم يعد مجرد اجتهادات فردية بل أصبح لدى بعضهم مجموعات خاصة عبر تطبيق واتساب يتبادلون فيها أخبار المناسبات أولا بأول ويتناقلون مواقعها ومواعيدها وأسماء القاعات بل إن بعضهم يرسل الموقع مباشرة إلى بقية المجموعة وكأنهم يديرون غرفة عمليات أو مؤسسة متخصصة في تتبع الولائم ولو أن هذا التنظيم وهذا الحرص وهذا الالتزام بالمواعيد وُجه إلى عمل تطوعي أو نشاط اجتماعي لخدمة المجتمع لكان أجدى وأنفع

ولا يدرك هؤلاء أن حضورهم لا يعني مجرد إضافة عدد من الأشخاص على المائدة بل يسبب حرجا كبيرا لأصحاب المناسبة فالولائم تعد وفق أعداد محددة ولكل مناسبة ميزانية وحسابات دقيقة وعندما يحضر أشخاص غير مدعوين فإن ذلك قد يؤدي إلى نقص في الضيافة أو زيادة في التكاليف أو حرمان بعض الضيوف الحقيقيين من حقهم

ومع ذلك فإن أصحاب المناسبات في القطيف عرفوا بالكرم وحسن الاستقبال فلا يردون أحدا ولا يظهرون امتعاضهم أمام الحضور لأن الكرم خلق أصيل في هذا المجتمع غير أن استغلال هذا الكرم لا يعد من الشهامة ولا من حسن الخلق بل هو تجاوز لحدود الذوق العام واحترام خصوصية الآخرين

إن الدعوة ليست ورقة شكلية ولا رسالة عابرة بل هي تعبير عن رغبة صاحب المناسبة في مشاركة من اختارهم فرحته أما فرض النفس على الناس فلا يمكن أن يعد مشاركة اجتماعية بل هو سلوك يفتقر إلى الذوق وإلى احترام الآخرين

وقد تكون هذه الظاهرة مادة للتندر والضحك في المجالس لكنها في حقيقتها تعكس خللا في فهم معنى المشاركة الاجتماعية لأن الكرامة الحقيقية لا تسمح لصاحبها أن يضع نفسه في مكان لم يُدع إليه وأن يمد يده إلى مائدة لم يوجه إليه صاحبها دعوة

ولعل أكثر ما ينطبق على هذه الفئة المثل العربي القديم الذي يقول: من راح بلا عزيمة خرج بلا حشيمة فالإنسان يحفظ كرامته قبل أن يشبع بطنه وتبقى الدعوة حقا لصاحب المناسبة وحده يوجهها لمن يشاء ويمنحها لمن يريد…