الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

حين يحين الحين

حسين المحروس · القطيف اليومالثلاثاء 30 يونيو 2026، 10:05 م
حين يحين الحين

لكثرة من ودعناهم في موسم العشرة، هذه الكلمات مني مواساةً لمن فقد عزيزًا، ودعائي الخالص لهم بأن يتغمد الله الراحلين برحمته الواسعة، وخصوصا الذين توفاهم الله في حادثة الهليكوبتر الأليم, وأن يرزق أهاليهم الصبر والسلوان، وان يحشرهم مع محمد واله الطاهرين. وجدت نفسي أستحضر سؤالًا قد رافق الإنسان منذ ان خلقه الله, ما هي حقيقة الموت؟

كنا في مقال سابق قد أشرنا الى أن الكون يمرض، وأن مرضه ليس حالةً استثنائية في سياق قوانين الوجود، وانه حكم يسري في الأحياء تماما كما في باقي الأجرام السماوية. بنفس المنطق فان موت الكون كما تشير كثير من النماذج الحسابية متأصل فيه لجهة انه يسعى حثيثا للتلاشي والبعثرة والزوال. غير أن حديثنا سوف ينحصر في مناقشة نظرة المرء للموت لكونه يعلم يقينًا أنه سيموت، ومع هذا فهو لايزال يتعامل مع هذا المصير المؤكد كما لوانه كان شخصيا مستثنى من هذه الحتمية, ولو بعد حين. تتجلى المفارقة في ان الشخص الذي يحمل أوان أجله معه منذ ولادته، هو نفسه يصر عامدا على تجاهل تلك اللحظة الفارقة, وإذا به وياللغرابة يتفاجأ "حين يحين الحين"!

في الرواية عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام «ما رأيت شكًا لا ريب فيه، وريبًا لا شك فيه، أشبه من الموت». فما من حقيقة أوضح من الموت، ولا من يقين أجمع عليه البشر مثله، ومع ذلك يصر الإنسان على ان يتعامل معه بمعزل عن فعلية انه أقرب الحقائق إليه. وصل به الحد الى أنه يؤجل مجرد التفكير فيه، ويؤخر التوبة بسببه، ويخطط لعقود طويلة وكأن اسمه لن يدمج في قائمة من تدانى اجلهم.

لحظة ياصديقي, هلا تساءلت معي عن ماهية الموت؟ ولماذا يأتي؟ وماذا يعني؟ لقد اختلفت الحضارات القديمة في تفسيره، فبعض رآه انتقالًا إلى عالم آخر، فيما أحاطه بعضهم بطقوس وأساطير، في الوقت نفسه فقد انتهى الفكر المادي الحديث إلى اختزال الإنسان في المادة، وعدّ ان الوعي هو مجرد نشاط دماغي ينطفئ بفناء الجسد، فأصبح الموت في منطقه نهاية الوجود الشخصي، وليس هو حقيقة الانتقال من عالم لمرتبة اخرى. وهكذا بقي الخلاف قائمًا، لا من جهة حتمية وقوع الموت، بل انحصر في كيفية تفسيره.

غير أن السؤال الأكبر لم يكن يومًا كيف نموت؟ وماذا بعد أن يحين الحين؟ تدليلا على قصور المعرفة الإنسانية. اما العلم التجريبي فانه يتباهى بانه يستطيع أن يصف لحظة الموت بدقة فيزيائية متناهية. فهو مثلا يتمكن من ان يقيس توقف القلب، ويرصد انقطاع النشاط الكهربائي في الدماغ، ويتابع تحلل الخلايا، لكنه مع ما تقدم لايزال يعجز عن أن ينطق ببنت شفة عن "وماذا بعد"؟ لأن هذا السؤال يقع خارج أدواته ومنهجه وعالمه. حينها ينبري الدين بكل شجاعة وعنفوان ليضيء الزوايا المظلمة التي عجز عنها المختبر؛ فيقرر بأن الموت ليس هو حالة الفناء المطلق وإنما هو حركة جوهرية وانتقال, وأن القبر ليس هو نهاية السبيل، وانه أول منازل الآخرة، وأن الإنسان لا يغيب عن الوجود، وانه يتقلب في مظاهر الكينونة.

لقد قرر الإسلام هذه الكلية الجامعة الشاملة ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾، تنبه يا عزيزي القارئ الى الدقة في التعبير ب "ذائقة الموت" للإشارة للانتقال والحركة. وقال سبحانه ﴿إلى ربك يومئذ المساق﴾ في تصوير مهيب للحظة الخطوة، حين تنتهي قدرة الإنسان على العمل، ويبدأ ظهور نتائج ما عمل، ويُساق إلى الأصالة التي كان يؤمن بها أو يجحدها (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا).

ان من ادق وأعمق التفسيرات لفهم هذا الانتقال هو نظرية الحركة الجوهرية التي تناولها الصدر (رض) في القراءة الفلسفية للإنسان والمعاد. فاستبان بان الإنسان ليس جوهرًا ساكنًا، على العكس فهو وجود في تكامل مستمر مع كل معرفة يكتسبها، وكل فضيلة يمارسها، وكل قرار يتخذه, كل ذلك هو من صميم أعماقه. وخلص الى ان أعمالنا لا تُضاف إلينا من الخارج، انها تدخل في تكويننا الوجودي، حتى نصبح نحن حصيلة ما قد اخترناه واقترفناه. ومن هنا فلا يكون الموت قطيعةً عن الحياة، بقدر ما هو استمرار لحركة الإنسان في مسيره الى النشأة الأخرى، ففيها يترقى ليبلغ تلك الدرجة الوجودية التي صنعها هو بنفسه في حياته الدنيا (فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ).

وعلى ضوء هكذا فهم جوهري، سوف يتغير المغزى من العمر بأكمله. فبدلا من ان يكون الموت صانعا لمصير الإنسان، يتحول الموت الى كاشف لحال الرجل. اعماله صالحها وطالحها، سوف تترك أثرها في جوهر الفرد، حتى إذا "حان حينه"، انكشف البناء الذي ظل يُشيَّده الشخص بصمت وهدوء اناء ليله ونهاره (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ).

ما دمنا نعتقد بذلك, يتبقى سؤال لا يقل الحاحا, فلماذا اذن نحن نحزن بعد موت من نحب؟ هل نحن نغتم أيضًا كمدا على أنفسنا. ربما أحد أسباب الشجى هو انه لكل واحد من الاحباء موضع في ذاكرتنا، ومساحة في حياتنا، وجزء من تكويننا النفسي. وحين يرحل ذلك العزيز فانه يغيب معه كذلك ذلك القدر من نصيبنا فيه. فيبدو الفقد وكأنه اقتطاع لمساحة من ذواتنا، مضافا الى غياب شخصه وانسنا به.

وعلى كثرة المشاريع في حياتنا؛ الا ان هناك مشروعًا واحدًا ينبغي ألا يتوقف العمل فيه يومًا واحدًا، وهو مشروع بناء القبر. علينا ان نستمر في تشييده بالعمل الصالح، وتزيينه بالإيمان، وتوسيعه بالإحسان، وإنارته بالولاية، فهو المنزل الوحيد الذي سيدخله الرجل منا وحده، ولن يجد فيه إلا ما قد قدمت يداه (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا).

لحظة بلحظة ها نحن ذا نقترب من الحين الذي يحين فيه الحين، عندها سيسقط كل وهم عنا، وتتكشف كل الحجب، فلا يبقى للإنسان إلا الحقيقة التي هو كان قد اصطنعها بنفسه لنفسه. إنها الومضة التي يرى فيها الإنسان واقعه الجديد كما هو، من غير غفلة ولا فرصة للتبرير ولا حاجة لخداع النفس. هذه برهة رفع الأغطية التي كانت ملازمة لنا على امتداد حياتنا الدنيا. تلك هي الوهلة الحاسمة لفهم المعنى الحقيقي للموت؛ ففيها يغلق الفرد منا الصفحة الأخيرة من كتابه الدنيوي ليبدأ الصفحة الأولى من كتابه الاخروي (اقْرَأْ كِتَابَكَ).