المعلمة أم سمير والفقد الموجع

قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185] صدق الله العظيم.
رحم الله معلمة الأجيال، وخادمة الإمام الحسين عليه السلام، الخطيبة الحسينية الحاجة زهراء سلمان الغريافي أم سمير" رضي" ، التي غيبها الموت مساء الأربعاء السادس من ربيع الأول لعام 1446 للهجرة، بعد ما يُقارب من سنة ونصف قضتها في المستشفى إثر مرض عضال ألمّ بها.
ولأن الإنسان لا يُعرف بعد موته إلا من خلال أثره، فقد غابت بجسدها وبقى أثرها الطيب٫ وذكراها العطرة حاضرة في ذاكرتنا، فآهاتنا مخنوقة بعيدًا عن حُضورها، وطيفها يحيينا، يمرُّ بنا ليلبسنا الشوق والحنين، كل الأشياء تفتقدها، تحن إليها، مآتمها تنعاها.
عُرفت "أم سمير" رحمها الله بحسن الخلق، وتفانيها في حُب الخير، وعشقها لأهل البيت عليهم السلام، فما أن يقترب شهر المحرم حتى تكتسي جُدران بيتها بالسواد، وتواصل القراءة الحسينية طوال شهري محرم وصفر بشكل يومي، وتقضي جلَّ وقتها في المآتم المقامة على سيد الشهداء، وتبذل الغالي والنفيس في إقامة العشرة الحسينية، وفي شهر رمضان المبارك، يتحول منزلها لمسجد حيث تؤم النساء في الصلاة كل ليلة طوال الشهر الكريم، ويعلو صوت الدعاء والتسبيح، ولا تكتفي بذلك بل تقوم بتقديم وجبات السحور لهنَّ، وسعت لبناء حسينية خاصة حتى شيّدت في حياتها، ولكن الأقدار لم تُمهلها حتى تنظرها ولو لمرة واحدة، وكعادة الجارات الطيبات كانت أطباقها تدور وتوزّع بحنان كلما عملت طبقًا مميزًا، عبر عاملتها الفلبينية سارة التي تُتقن اللهجة القطيفية بسبب بقائها لسنوات طويلة مع مخدومتها.
عرفتها رحمها الله مُنذ نعومة أظافري، وكنت إحدى طالباتها في (المعلم) قبل التحاقي بالمدرسة، وكنت مُعجبة بشخصيتها القيادية كمعلمة للقرآن الكريم، وكخطيبة لمجلسنا الذي امتد لأكثر من ثلاثين عامًا من عمرها العامر بالحب والعطاء.
حقًا، سيظل اسمها عالقًا في الذاكرة، يحمل صُورًا لأيام الطفولة العذبة، أيام النقاء والبراءة، وسأظل أتذكرها في صلاتي وبين طُهر دعائي ما حييت.
إنها بحق قدوة حسنة، لن يغيب طيفها عنَّا، وكلما مرَْ يوم، نستذكر حكاياتها، مواقفها، وعذب كلماتها الملائكية؛ لننهل من هذه الشخصية الفريدة بكل تفاصيلها٫ ونقطف من ربيع بستانها الصفاء، ونرتشف من دموع عينيها، ما يُنعش أرواحنا، ويُلهمنا العطاء.
اللهم ارحم رُوحًا طاهرة صعدت إليك، واجعل قبرها روضة من رياض الجنة، واجمعنا بها في فردوسك الأعلى، لروحها وأرواح أسلافها، وموتى المؤمن والمؤمنات ثواب المباركة الفاتحة.