جعفر آل قيصوم يأخذ القارئ في «رحلة الفكر الإداري» من بناء القائد إلى صناعة المؤسسة

قدّم الدكتور جعفر بن أحمد آل قيصوم في إصداره «رحلة في الفكر الإداري وصناعة المؤسسات» قراءةً واسعة في الإدارة بوصفها فعلًا إنسانيًا يبدأ من وعي الفرد قبل أن يتحول إلى نظام ومؤسسة، جامعًا في 432 صفحة بين التأملات الفكرية والخبرة العملية ومناقشة قضايا القيادة والتحول المؤسسي والأخطاء الإدارية وقيم العمل. وصدر الكتاب في طبعته الأولى بالقطيف عام 1448هـ / 2026م عن دار بسطة حسن للنشر والتوزيع.
بنى آل قيصوم كتابه على حصيلة تأملات وتجارب وملاحظات سبق أن كتبها في صورة مقالات أسبوعية، واضعًا الإنسان قبل المنصب، والقيم قبل الأنظمة، والوعي قبل الأدوات، ومؤكدًا أن النجاح في البيئات المعاصرة لم يعد مرتبطًا بالذكاء وحده بقدر ارتباطه بالقدرة على فهم الذات وقراءة الواقع واتخاذ القرار في الأوقات الصعبة.
وزّع المؤلف رحلته على خمسة أبواب رئيسية، فبدأ بالوعي الإداري وبناء الذات القيادية، متناولًا النجاح والعزيمة وتطوير الذات والتدريب وإدارة المشتتات والتغيير والروح الجماعية، ثم انتقل إلى القيادة وبناء الفريق، حيث ناقش الإدارة المفقودة، وعدالة القرار، وبيئة العمل، والقيادة بالثقة بدل التخويف، والشفافية، ودور الإدارة الوسطى والمبادرة.
واصل آل قيصوم في الباب الثالث بحث الإدارة الحديثة والتحول المؤسسي، فتناول الإدارة بالمشاركة، والعقول المتخصصة، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، ومخاطر المركزية والبيروقراطية، والأداء الضعيف، والحوكمة الذاتية، ونافخي الصافرات، والقيادة الرشيقة، انطلاقًا من رؤية تؤكد أن التقنية إذا انفصلت عن الوعي قد تتحول من فرصة إلى مصدر تهديد للمؤسسة.
فتح المؤلف في الباب الرابع ملف تحديات الإدارة والأخطاء القاتلة، فناقش فشل المشاريع، وهدر الكفاءات، ومراهقة القرار الإداري، والعمى الاستراتيجي، وشيخوخة القيادات، وبدايات الانهيار من القمة، ووهم المدير الأجنبي، والانشغال الزائف، مؤسسًا لهذا الباب على فكرة أن التشخيص الصريح للخلل يمثل الخطوة الأولى للإصلاح.
اختتم آل قيصوم البناء الفكري للكتاب بباب خصصه لقيم العمل والنهضة الإنسانية، تناول فيه المهنة بوصفها رسالة، وكفاءة المرأة في الإدارة، وما بعد التقاعد، وإدارة الوقت، والعمالة الوافدة، وبناء المشاريع، والقدرة على المنافسة والاستمرار، وصولًا إلى سؤال الوعي الإداري نفسه، في تأكيد على أن النهضة المؤسسية لا تنفصل عن القيم ولا تقوم على الإجراءات وحدها.
قدّم الكاتب في ثنايا الإصدار معالجة لا تكتفي بالمفاهيم النظرية، بل تستدعي أمثلة وحالات إدارية وتربطها بالتخطيط والتنفيذ والرقابة والتعلم التنظيمي، ومن ذلك قراءته لقصة الأرنب والسلحفاة من زاوية إدارية، حيث جعل منها نموذجًا لبيان أثر التخطيط والانضباط والقياس والتعلم من الأخطاء والتكامل بين قدرات أعضاء الفريق.
وسّع آل قيصوم نقاشه كذلك إلى التحولات الجديدة التي تواجه المؤسسات، ومنها الرقمنة والذكاء الاصطناعي والحوكمة، رابطًا بينها وبين مسؤولية الإنسان في ضبط الأدوات وتوجيهها، بدل التعامل معها باعتبارها بديلًا عن الوعي أو القرار المهني الرشيد. كما ناقش أثر المشتتات الرقمية على التركيز والأداء، ودور الحوكمة الذاتية في ضبط الاستخدام وتحقيق التوازن بين الحرية الفردية والمسؤولية.
عكس الغلاف توجه الإصدار نحو البساطة والجدية، إذ جاء بخلفية بيضاء خالية من الزخارف، وتصدره عنوان «رحلة في الفكر الإداري وصناعة المؤسسات» بحروف سوداء كبيرة، بينما وُضع اسم جعفر أحمد آل قيصوم أسفل العنوان بحجم أصغر، ليمنح التصميم مساحة بصرية هادئة تتوافق مع طبيعة الكتاب الفكرية والتحليلية.
يحمل الدكتور جعفر بن أحمد آل قيصوم درجة الدكتوراه في إدارة المشاريع من الجامعة الأوروبية European International University – EIU، واهتم في مسيرته بدراسة الإدارة بوصفها علمًا إنسانيًا قبل أن تكون ممارسة تنظيمية، كما تلقى عددًا من الدبلومات المتخصصة في القيادة والتربية وعلم النفس والميتاكوتشينج. وتولى مواقع إدارية وتنفيذية في مؤسسات وشركات عربية وأجنبية، من بينها عمله مديرًا إداريًا في مكتب المرحوم المهندس جاسم آل قو أحمد للاستشارات الهندسية والمساحية، ومديرًا عامًا لمؤسسة وجوه للمقاولات العامة.
واصل آل قيصوم نشاطه البحثي بكتابة دراسات ومقالات في القضايا الإدارية والتنظيمية، وله ورقة بحثية بعنوان «واقع الشركات الأمنية»، وكتاب بعنوان «الشركات الأمنية الخاصة وتأثيرها على أداء العاملين والاقتصاد الوطني»، وهو أطروحة الدكتوراه وقيد الفسح الإعلامي، كما يعمل على إعداد كتاب بعنوان «من الفكرة إلى النجاح: كيف تبني مشروعًا مختلفًا يستمر في السوق».
خلص آل قيصوم في كتابه إلى رؤية تتجاوز مفهوم إدارة الأشخاص إلى قيادة المعنى، وتنقل النجاح من كونه نتيجة مؤقتة إلى أثر قابل للاستمرار، مقدّمًا الإصدار بوصفه دعوة إلى التفكير ومساءلة الواقع والإيمان بأن التغيير يبدأ من الوعي، وأن بناء المؤسسة يبدأ من بناء الإنسان أولًا.




