أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
إعلانات

حين يصبح القريب خصمًا… وتصبح الأخوة ثمنًا للمصلحة

سوزان آل حمود · القطيف اليومالخميس 17 سبتمبر 2026، 12:52 م
حين يصبح القريب خصمًا… وتصبح الأخوة ثمنًا للمصلحة

ترددت كثيرًا قبل أن أكتب هذا المقال.

كنت أرى أن بعض الأبواب، مهما حدث، يجب ألا تُفتح…
وأن بعض المساحات لا ينبغي أن تدخلها الأقلام، لأن الحديث عن الأخوة ليس حديثًا عابرًا عن علاقة اجتماعية يمكن أن تنتهي بخلاف أو خصومة.

الأخوة في وجداننا شيء مقدس.
هي أول يد امتدت إلينا في طفولتنا، وأول وجه شاركنا البيت، وأول إنسان عرف ضعفنا قبل قوتنا، وحفظ أسرارنا قبل أن نتعلم كيف نخفيها.

لهذا ظللت طويلًا أقول:
مهما حدث… لا ينبغي أن تصل الأمور إلى هذا الحد.
لكنني مع كثرة ما وصلني من اتصالات وحكايات وشكاوى، وجدت أن الصمت لم يعد دائمًا حيادًا.
أحيانًا يكون الصمت أمام الظلم مساحة إضافية للظالم.
ولذلك أكتب اليوم…
لا لأدين أخًا، ولا لأبرئ أخًا، ولا لأفتح دفتر حسابات عائلية.
بل لأطرح سؤالًا مؤلمًا:

متى أصبح بعض الناس مستعدين لأن يبيعوا صورة أخيهم عند الآخرين، فقط ليشتروا لأنفسهم مصلحة؟

أخطر الظلم… أن تُصنع لك تهمة من داخل بيتك
أن يظلمك غريب، فالأمر مؤلم.
لكن أن يظلمك قريب يعرفك جيدًا، ويعرف تاريخك، ويعرف أبوابك، ويعرف كيف يدخل إلى قلوب أهلك…
فهنا يصبح الوجع مختلفًا.
الغريب قد يسيء فهمك.
أما القريب فيعرف الحقيقة، ثم قد يختار أن يروي منها ما يخدمه فقط.
وهنا تبدأ أخطر الحكايات:

واقعة ناقصة.
ثم تفسير منحاز.
ثم كلمة أضيفت إلى كلمة.
ثم موقف قديم أُخرج من سياقه.
ثم اتهام لم يحدث أصلًا.
وبعد فترة…
لا يعود الناس يناقشون الحقيقة.
بل يناقشون الرواية التي صُنعت عن الحقيقة.
وهذه هي الكارثة.

هناك من لا يدافع عن نفسه… بل يدافع عن أخطائه باتهام غيره
بعض البشر لا يستطيعون الوقوف أمام أخطائهم.
فيبحثون عن شخص آخر يحملها عنهم.
إذا أخطأوا، قالوا: فلان السبب.
إذا فشلوا، قالوا: فلان عطّلنا.
إذا انكشف تقصيرهم، بدأوا بالحديث عن تقصير الآخرين.
وإذا خافوا أن تصل الحقيقة إلى مكان لا يريدونها أن تصل إليه…
صنعوا ضجيجًا حول شخص بريء.

فحين ينشغل الناس بالمتهم، يقل اهتمامهم بالسؤال عن صاحب الفعل الحقيقي.
وهنا يتحول البريء إلى ستار.
والضحية إلى متهم.
والحقيقة إلى شيء مؤجل.

والأشد قسوة… أن يُورَّث الأبناء خصومات آبائهم
ما ذنب ابن لأن أحدًا لا يحب والده؟
وما ذنب ابنة لأن أمها اختلفت مع أحد؟
أي عدل يجعل الإنسان يدفع ثمن خصومة لم يصنعها؟
ومع ذلك يحدث هذا كثيرًا.
يُستقبل الابن أحيانًا بصورة صنعت قبل أن يدخل المجلس.
ويُحكم عليه قبل أن يتحدث.
ويُفسر سلوكه وفق موقف سابق من والده.

ثم تبدأ التهمة:
“هو مثل أبيه.”
“ابن فلان لا يؤتمن.”
“تعرفون عائلتهم.”
وكأن الإنسان يرث ذنوب غيره كما يرث اسمه!
وهذا ليس عدلًا.

فالإنسان يُحاسب على فعله، لا على فعل أبيه، ولا على خلاف أمه، ولا على خصومة أحد أفراد عائلته.

الطيبون أكثر الناس قابلية لأن يُخدعوا
وهنا تظهر مأساة أخرى.
الأب الطيب.
الأم التي لا تتخيل السوء.
القريب الذي يقول: “هؤلاء أهلي، لماذا يكذبون عليّ؟”
وهذه الثقة الجميلة قد تتحول، للأسف، إلى مدخل للظلم.
لأن الإنسان الطيب لا يتوقع أن أحدًا يمكن أن يختلق رواية ضد أخيه.
فيصدق.
ليس لأنه رأى الحقيقة…
بل لأنه وثق بمن نقلها.
وهنا يجب أن نتذكر شيئًا مهمًا:

الثقة ليست دليلًا.
والقرابة ليست شهادة براءة للرواية.
والقوة في الصوت ليست قوة في الحجة.
ومن قال شيئًا عن إنسان، فعليه أن يتحمل مسؤولية ما قال، لا أن يختبئ خلف جملة:

“أنا سمعت.”
سمعت من مَن؟
وهل تحققت؟
وهل سمعت الطرف الآخر؟
وهل تملك دليلًا؟
هذه الأسئلة ليست قسوة.
هذه هي العدالة.

وعندما يدخل المال… تسقط أقنعة كثيرة
الميراث.
العقار.
المال.
المنافع.
النفوذ.
المصالح.
كلها اختبارات حقيقية للعلاقات.

وفي بعض العائلات، لا يبدأ الخلاف الحقيقي عندما يختلف الإخوة…
بل عندما تصبح هناك مصلحة تستحق عند أحدهم أن يخسر أخاه.
عندها تتغير اللغة.
ويصبح الحق وجهة نظر.
ويصبح التاريخ قابلًا لإعادة الكتابة.
وتظهر قصص لم يسمع بها أحد من قبل.
وقد يُشوه إنسان، أو يُتهم، أو يُعزل عن أهله، لأن وجوده أصبح عائقًا أمام مصلحة شخص آخر.

وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا بكل صدق:
كم تساوي المصلحة التي تحتاج لكي تحصل عليها أن تهدم أخاك؟
هل يستحق العقار أن نخسر إنسانًا؟
هل يستحق المال أن نخسر رحمًا؟
هل تستحق منفعة مؤقتة أن نعيش بقية العمر ونحن نعرف أننا ظلمنا شخصًا من دمنا؟

لا شيء أخطر من تهمة بلا دليل
هناك فرق بين أن تقول:
“أنا اختلفت معه.”
وبين أن تقول:
“هو فعل.”
الأولى رأي.
والثانية اتهام.
والاتهام ليس لعبة.
لأن وراء كل تهمة إنسانًا له سمعة، وأسرة، وأبناء، ومشاعر، وحياة قد تتغير بسبب كلمة واحدة.

وقد تكون الكلمة سهلة على لسان قائلها…

لكنها ثقيلة جدًا على قلب من حملها.

لا تضعوا على الناس أفعالًا لم يفعلوها.
ولا تنسبوا إليهم جرائم أو مواقف أو أخطاء بلا بينة.
فالكلمة التي تخرج من الفم قد لا تعود إليه.

لا تجعلوا الآباء حَكَمًا بين الأبناء بالروايات
من أكثر المشاهد إيلامًا أن يصل أب أو أم إلى مرحلة يصبح فيها عليه أن يختار بين روايتين من أبنائه.
كل واحد يقول:
“أنا المظلوم.”
“هو الكاذب.”
“هو الذي بدأ.”
“هو الذي فعل.”
ويجلس الوالدان وسط النار.
وفي هذه اللحظة، أكبر خطأ يمكن أن يحدث هو إصدار الحكم بناءً على القرب أو العاطفة.
ليس لأن أحد الأبناء أكثر هدوءًا يعني أنه أصدق.
وليس لأن الآخر أكثر انفعالًا يعني أنه كاذب.
الحقيقة لا تملك نبرة صوت.
الحقيقة تحتاج إلى تحقق.

الأخوة لا تعني أن نسكت عن الخطأ… لكنها تعني ألا نصنع ظلمًا
لنكن واضحين.
الأخوة لا تعني أن نغطي الخطأ.
ولا تعني أن نمنح القريب حصانة من المحاسبة.
ولا تعني أن نقول “هذا أخي” فنقبل منه ما لا نقبله من غيره.
لكن الأخوة تعني شيئًا آخر:
أن نكون عادلين حتى ونحن غاضبون.
أن نختلف دون تشويه.
أن نطالب بحقنا دون افتراء.
أن ننتقد الفعل دون تدمير الإنسان.
أن نقول الحقيقة كما هي، لا كما تخدم مصالحنا.

إلى من يستخدم القريب شماعة…

قد تنجح في إقناع الناس اليوم.
وقد تجد من يصدقك.
وقد تقف العائلة في صفك.
وقد يبدو لك أن اللعبة انتهت.

لكن تذكر:
الحقيقة لا تموت لأنها تأخرت.
والبريء قد يصمت لأنه لا يريد أن يفتح أبوابًا أكبر.
وقد يسكت حفاظًا على والديه.
وقد يتحمل حتى لا تنقسم العائلة.
وقد يختار الصمت لأنه يعرف أن الرد على كل كلمة سيحوّل العائلة إلى ساحة حرب.
فلا تفسروا صمت المظلوم على أنه عجز.
أحيانًا يكون الصمت أخلاقًا… وليس ضعفًا.

ختامًا…

قبل أن ترفع صوتك على أخيك، تذكر أن بينكما عمرًا لا يُشترى.
وقبل أن تنقل عنه كلامًا، تذكر أن الكلمة قد تصل إلى شخص لن يستطيع نسيانها.

وقبل أن تصدق اتهامًا، تذكر أنك قد تكون الحلقة التي يكتمل بها ظلم إنسان بريء.
وقبل أن تختار المال على أخيك، اسأل نفسك:
إذا ربحت ما أريد… ماذا سأفعل بالخسارة التي لا يمكن تعويضها؟
فالمال يعود.
والعقار يُباع.
والمنفعة تنتهي.
والأيام تغير الناس.
لكن هناك أشياء إذا انكسرت داخل العائلة، قد لا تعود كما كانت أبدًا.

والأخوة تحديدًا ليست شيئًا نضعه على رف المصالح، ثم نعود إليه عندما تنتهي الصفقة.

إما أن نحفظها في الرخاء والخلاف معًا… أو أننا لم نفهم معناها أصلًا.

وأما من اختار أن يصنع تهمة لغيره كي يهرب من عيبه، أو أن يلصق بالآخر ما لم يفعله كي يحمي مصلحته، أو أن يستخدم خصومة قديمة مع والدين ليعاقب أبناءهما…

فليتذكر أن هناك عدالة لا تحتاج إلى مجلس عائلة، ولا إلى شاهد يصفق، ولا إلى رواية تنتشر.
هناك عدالة لا يضل عندها شيء.
قال تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ المائدة "8"
وهذه الآية ليست درسًا للغرباء فقط.
بل قد تكون أحوج ما نحتاجه داخل بيوتنا.

فليس الاختبار الحقيقي أن تكون عادلًا مع من تحب.
الاختبار الأصعب…
أن تكون عادلًا مع من اختلفت معه.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به:
لا تجعلوا المصلحة أكبر من الأخوة، ولا الخصومة أكبر من العدل، ولا الكلمة أخطر من الحقيقة.
فقد يخسر الإنسان مالًا ويعوّضه…
وقد يخسر صفقة وينساها…
وقد يخسر فرصة ويأتي غيرها…
لكن أن يخسر أخًا بسبب كذبة، أو يظلم قريبًا بسبب مصلحة، أو يهدم رحمًا بسبب حقد موروث…
فهذه خسارة لا يعوضها مال، ولا تعيدها سنوات العمر.

لذلك…
إذا كان لابد أن تختار بين مصلحتك وبين ظلم إنسان بريء،
فاخسر المصلحة.
فالمصلحة تُعوَّض…
أما الظلم، فيترك في الروح أثرًا لا يمحوه الزمن.