بيت العمر.. حين يسبق الخيال الواقع

كلنا نحلم بـ"بيت العمر"، ذلك المكان الذي لا نشتريه كل يوم، بل نأمل أن يكون استثمارا لجودة حياتنا، وملاذا يحفظ الأسرة، ونقطة تجمع للأهل والأصدقاء. ولذلك يحرص كثيرون على أن يكون تصميمه جميلا ومميزا، كلّ وفق إمكاناته وظروفه المادية.
ومع تطور اتجاهات التصميم الداخلي وانتشار صور المشاريع الفاخرة، أصبحت بعض الأسر تلجأ إلى مكاتب التصميم بحثا عن منزل يواكب الذوق العصري و"الترند". وقد تدفع مبالغ طائلة مقابل التصميم، لكن المفاجأة تظهر أحيانا عند بدء التنفيذ، فالمقاول يجد أمامه صورا جميلة، لكنها لا تقدم له دائما التفاصيل التنفيذية المطلوبة .
هنا تبدأ الأسئلة أين مواقع الإنارة بالتحديد.. أقصد زاوية افقية ورأسية وبنظام ثلاثي الأبعاد وما نوع المواد ومقاساتها.. وكيف تنفذ التفاصيل الجمالية على الجدران والأسقف.. وما الأحمال الكهربائية المطلوبة.. وكيف ستوزع نقاط المياه وتصريفاتها وضغطها، خصوصا في الأدوار العليا.. وهل تتوافق هذه التفاصيل مع طبيعة المبنى والميزانية المتاحة.. لا وكيف بعض تصاميم دورة المياه ربما نسي المصمم اتجاه القبلة ليحدد موقع المرحاض اعزكم الله ..
عندما تغيب هذه الإجابات، يتحول جزء من التصميم إلى اجتهاد أثناء التنفيذ، ويصبح صاحب المنزل أمام خيارات لم تكن واضحة له منذ البداية. والأسوأ أن بعض الصور التي أُعدت لإبهاره قد تكون أقرب إلى "صورة تسويقية"، منها إلى مخطط قابل للتنفيذ، خصوصا مع سهولة الحصول على تصاميم مشابهة من الإنترنت أو إنتاجها بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ولا يعني ذلك أن التصميم الجمالي غير مهم، بل على العكس، فالجمال هو روح المكان، لكن الجمال وحده لا يبني بيتا ناجحا. التصميم الجيد هو الذي يجمع بين الشكل والوظيفة والهندسة وقابلية التنفيذ والتكلفة، ويحول الفكرة من صورة جميلة إلى واقع يمكن للمقاول تنفيذه دون تخمين أو ارتجال.
لذلك، قبل أن ندفع مقابل تصميم "بيت العمر"، ربما يجدر بنا أن نسأل سؤالا بسيطا، هل أشتري صورا جميلة، أم أشتري تصميما يمكن أن يتحول فعلا إلى بيت أعيش فيه.
فالبيت لا يكتمل عندما تبدو صوره جميلة على الشاشة، وإنما عندما تتطابق الفكرة مع الواقع، وتعمل الكهرباء والمياه والتكييف بكفاءة، وتنفذ التفاصيل كما خطط لها، ويبقى صاحب المنزل راضيا بعد أن تسكن فيه سنوات..



