أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

حين يبقى البيت ويرحل أهله

غالية المحروس · القطيف اليومالجمعة 18 سبتمبر 2026، 1:06 م
حين يبقى البيت ويرحل أهله

حين يرحل الشريك، لا يرحل وحده، بل يرحل معه نصف البيت، ونصف الروح، ونصف الكلام.

تصبح الجدران أوسع من الحاجة، والصمت أطول من اليوم، والليل أثقل مما كان. كانا اثنين يتقاسمان المسؤولية واللقمة والذاكرة، فإذا بأحدهما يحمل كل شيء وحده.

البيت الذي كان يضج بصوته، أصبح يحفظ صدى صوته. فنجان قهوته، نظارته، كل شيء بقي، إلا هو.

ليست الوحدة أن تكون وحدك في البيت، بل أن يكون البيت ممتلئا به في كل زاوية، وهو غير موجود.

ومن هذا الوجع الصامت، ومن هذا الوفاء الذي لا يموت، أكتب اليوم بصدق مشاعري وعمقها تحية لروحه وإحيائا لذكراه .

في السابع من أكتوبر، يطوي الغياب عامين على رحيل جار الطفولة والشباب الأخ "عبد الرزاق علي البيش" وكأنهما شهران، كما تشعر بذلك زوجته العزيزة هدى العبد الجبار، فبعض الغياب لا يقاس بالتقويم.

نحن جيران منذ الطفولة، أعرفه تماما، فما عرفناه إلا متواضعا هادئا، كريما باسما، إذا مر سلم، وإذا جلس ابتسم، وإذا احتاج أحد مد يده قبل أن يطلب. وقد لمست فيه هذا كله بنفسي.

عاش مع زوجته ثلاثين عاما من المودة والسكينة، ورزقهما الله بإبنة واحدة اسمها دنيا، ملأت البيت ضحكا ومرحا، ثم تزوجت وذهبت إلى بيتها، فانطوى البيت عليهما وحدهما.

ثم مرض، فتسابق إليه قلبان لا يعرفان الأنانية، بل التضحية.

لقد منحته أولا زوجته هدى كليتها، قطعة من جسدها ليحيا.

وبادرت بعمل بطولي ثانيا تلك النبيلة ندى رضى الخنيزي، زوجة أخيها، والتي تسميها هدى ملاك الكون، لقد إتخذت قرارا إنسانيا حيث طارت إلى ألمانيا، مقر علاج المرحوم عبد الرزاق، واستلقت على سرير العملية، واقتطعت جزءا من كبدها. لم يكن مجرد تبرع، بل كان طوق نجاة انتشل عائلة كاملة من الغرق.

وبكرم وسخاء هاتين السيدتين، منح الله عشر سنوات إضافية من وجوده بين أسرته.

حيث كان قد فجع من قبل بوفاة أخويه، الأكبر عبد الرؤوف والأصغر عارف، فأبكاهما بكاء مرا، حتى جاء السابع من أكتوبر قبل عامين، فلحق بهما، ولم يعد أحد من الإخوة الثلاثة هنا، وعزاؤنا أنه سيلتقي بهما في الجنة إن شاء الله، حيث لا فراق بعد اليوم.

تحدثت مع زوجته الوفية هدى قبل أيام، فوجدتها منهارة من فراقه، تقول بصوت يقطعه البكاء: الدنيا ما لها طعم دونه، ولا قيمة للحياة من بعده.

قال لها الطبيب حينها مواسيا عند زيارتها له: هو ليس وحده، معه كليتك تؤنسه، فقالت بدمعها: إذا كانت كليتي معه، فمن يؤنسني أنا؟

وبقيت وحدها، تضع صحنين على طاولة الطعام من العادة ثم تتذكر، وتمشي فتسمع صدى خطواتها، وتنام على طرف السرير، وتستيقظ على صمت يخنق روحها.

اللهم ارحمه وارحم أخويه، واجمعهم في جنتك كما جمعتهم المحبة في الدنيا، واجعل مرضه وصبره في ميزان حسناته، واجعل كليتها نورا وضياء في قبره.

اللهم أمسح على قلب زوجته هدى، واجبر وحدتها ووحشتها، وأنزل عليها سكينتك، وبارك لها في ابنتها دنيا واجعلها قرة عين لها.

نم قرير العين يا عبد الرزاق، فمن حولك ملائكة في ثياب بشر.

والفاتحة لروحه الطاهرة ولأرواح أخويه.