من المنارة إلى المئذنة.. الاسم والوظيفة والعمارة وهوية المكان

مسجد المنارة .
في العمارة القديمة، لا تأتي أسماء الأماكن دائماً من فراغ، فقد يحمل الاسم شيئاً من تاريخ المكان، أو يكشف عن وظيفة ارتبطت به، أو يحفظ في ذاكرة الناس صورة لم تعد موجودة اليوم ، وفي حاضرة القطيف، وتحديداً في القلعة، فريق الخان، شرق المملكة العربية السعودية، عُرف أحد المساجد باسم «مسجد المنارة»، أو «مسجد أبو منارة»، وهو المسجد المعروف أيضاً باسم «جامع فيصل بن تركي» كان يلي دروازة السوق (بوابة السوق الرئيسية) بالقرب من سوق القفافيص ونخيل الشريعة ، ولم يكن الاسم عابراً، فقد ارتبط بمنارة شامخة كانت من أبرز معالم القطيف، حتى غدت علامة تُرى من مسافات بعيدة.
عمر مسجد المنارة.
يُرجّح أن يعود بناء مسجد المنارة إلى القرن الثامن الهجري، أي إلى ما يزيد على ستة قرون من التاريخ حتى عام 1448هـ. أما تاريخ 968هـ، فيرتبط على الأرجح بمرحلة من التجديدات أو الأعمال العمرانية في قلعة القطيف، وليس بالضرورة بتاريخ تأسيس المسجد ، ويبقى التاريخ الدقيق بحاجة إلى وثيقة أو نقش أصلي يحسم المسألة.
وهنا يبدأ السؤال:
لماذا سُمّي المسجد «مسجد المنارة» ولم يُسمَّ «مسجد المئذنة» أو مسمى آخر ! وهل كانت «المنارة» هي المئذنة نفسها؟ أم أن بين المنارة والمئذنة فرقاً لغوياً واصطلاحياً ومعمارياً؟
والسؤال لا يتعلق بالاسم وحده، بل يقودنا إلى أسئلة أخرى ! ما وظيفة هذا الجزء؟ أين يوضع؟ لماذا هذا الارتفاع؟ وما المواد التي استخدمت فيه؟ وهل يمكن أن يكشف شكله وموقعه ومواده عن المكان الذي نشأ فيه؟ ومن هنا تبدأ الرحلة: من المنارة إلى المئذنة.
مسجد المنارة.
يُعد كتاب «القطيف: تاريخها وتراثها» للباحث المرحوم محمد سعيد المسلم من المصادر القلائل التي تناولت اسم المسجد وموقعه ومئذنته ، ووفقاً لما يورده الكتاب، عُرف المسجد باسم «مسجد المنارة» نسبةً إلى مئذنته البارزة، التي كانت من أشهر معالم قلعة القطيف، وظلت حاضرة في الذاكرة المحلية بوصفها عنصراً دينياً وعمرانياً ورصدياً إرشادياً ، وتذكر الروايات المحلية أن المئذنة كانت مرتفعة جداً ، بحيث تُرى من مسافات بعيدة، وأن الصاعد إليها كان يشرف على أجزاء واسعة من واحة القطيف، بما فيها النخيل والبر والبحر والفرضة وملامح جزيرة تاروت وبعض البلدات المحيطة ، كما ارتبطت بالمراقبة والاستطلاع، ثم أضيف إليها لاحقاً مصباح أو فانوس، فأصبحت علامة يُستدل بها على المسجد وأسهمت في إضاءة المنطقة المحيطة ، وتشير رواية أخرى إلى أن المسجد ومئذنته خضعا للترميم بعد تعرض منارته للقصف المدفعي ، بأمر من المغفور له الملك عبدالعزيز ، وقد تجاوز ارتفاع المئذنة 30 متراً تقريباً، مما منحها حضوراً واضحاً ومميزاً في أفق القلعة وجعلها معلماً بارزاً يمكن رؤيتها من مناطق النخيل والأسواق والمناطق المجاورة لسور القلعة ، وظلت المئذنة قائمة عقوداً طويلة، وظهرت في صور تاريخية خلال أربعينيات القرن العشرين وخمسيناته ( شركة أرامكو) .
المنارة والمئذنة.
ترتبط كلمة «المئذنة» بالفعل «أذّن»، ولذلك تدل على الموضع الذي يُرفع فيه الأذان، وترتبط وظيفتها أساساً بالمسجد والنداء للصلاة ،
أما «المنارة» فتتصل بالنور والهداية والدلالة، وقد تُطلق على بناء بارز يُرى من مسافات بعيدة ويؤدي وظيفة العلامة أو الدليل ، لذلك فدلالتها أوسع من دلالة «المئذنة» مع إمكان تداخل المصطلحين في بعض البيئات، فتُسمى المئذنة منارة بسبب ارتفاعها أو دورها الإرشادي ،
ولا يعني اختلاف التسمية اختلافاً في البناء ، فقد يكون الاسم جزءً من الاستعمال المحلي المتوارث، ويحمل دلالات تاريخية وثقافية واجتماعية خاصة بالمكان ، وفي حالة مسجد المنارة، ارتبط الاسم بمئذنته التي جمعت بين رفع الأذان، وإبراز المسجد في المشهد العمراني، والمراقبة والإرشاد.
وظيفة المئذنة؟
كانت المئذنة تاريخياً وسيلة لرفع الأذان وإعلان دخول وقت الصلاة، كما ساعد ارتفاعها على انتشار صوت المؤذن وإبراز المسجد داخل النسيج العمراني ، ومع تطور تقنيات الصوت، لم يعد ارتفاعها ضرورياً من الناحية التقنية، لكنها بقيت عنصراً معمارياً ورمزياً يختصر حضور المسجد في المكان.
أما المنارة، بمعناها الأوسع، فهي بناء ظاهر يدل على موقع أو يهدي إليه، ولذلك ارتبطت في بعض البيئات بالأبراج والعلامات المرتفعة، لا بالمساجد وحدها ، وعندما تُستخدم الكلمة في سياق المسجد، يتداخل معناها العام مع الوظيفة الخاصة للمئذنة.
أين توضع المئذنة؟
قد تكون المئذنة ملاصقة للمسجد، أو مرتبطة بأحد زواياه، أو قائمة بالقرب منه، بحسب تخطيط المسجد وطبيعة الموقع والتقاليد المحلية ، وفي جميع الحالات تظل مرتبطة بصرياً ووظيفياً بالمسجد، وقد يؤثر موقعها في تكوين الواجهة واتجاه القبلة والمشهد العمراني.
لماذا تكون المئذنة مرتفعة؟
يمنح الارتفاع المئذنة وظيفتها التاريخية في إيصال الأذان إلى مساحة أوسع، كما يجعل المسجد ظاهراً من مسافات بعيدة ، وفي المدن القديمة، حيث كانت المباني متقاربة ومنخفضة، كان العنصر المرتفع علامة واضحة في الأفق، ولذلك تجاوزت المئذنة وظيفتها المباشرة لتصبح جزءً من هوية المكان.
المستراح أو الشرفة ؟
ظهرت الشرفة أو المستراح في بعض المآذن لتوفير منصة يقف عليها المؤذن ، وقد تكون المئذنة بلا شرفة، أو بشرفة واحدة أو أكثر، دائرية أو مربعة أو مثمنة، بحسب المنطقة والفترة التاريخية والتقاليد المعمارية ، ولا يحدد عدد الشرفات ما إذا كان البناء جامع أو مسجد أو مئذنة أو منارة ، والشرفة عنصر من عناصر تكوين المئذنة، يجمع بين الوظيفة والتعبير المعماري.
شكل المئذنة ليس واحداً.
تتنوع المآذن بين المربعة والأسطوانية ومتعددة الأضلاع، كما تختلف في نسبة الارتفاع إلى العرض، وعدد الشرفات، وشكل القمة، والفتحات والأقواس، والمواد، واللون، وعلاقتها بواجهة المسجد ، ويرجع هذا التنوع إلى المناخ، والمواد المتاحة، والتقاليد المحلية، والخبرة الحرفية وهذا مهم جداً، والتاريخ، والتبادل التجاري والثقافي، إضافة إلى اختيارات المعماري أو الأستاذ و البنّاء.
مواد البناء جزء من شخصية المئذنة.
استخدمت العمارة التقليدية مواد محلية مثل الخشب والحجر والطين والجص، ثم أدخلت الخرسانة المسلحة والمواد الحديثة إمكانات جديدة لبناء مآذن أقوى و أعلى وأكثر تنوعاً ، ولا تؤثر المادة في طريقة البناء فقط، بل في الارتفاع واللون والملمس والضوء والظل، فتجعل المئذنة جزءً من بيئتها لا مجرد شكل هندسي مستقل.
لماذا تختلف المآذن في ألوانها؟
قد تظهر المئذنة بلون الحجر أو الطين أو الجص، أو باللون الأبيض، أو بألوان مرتبطة بتصميم المسجد ، وفي العمارة التقليدية يرتبط اللون غالباً بالمادة المحلية كالجص، بينما أصبح في العمارة الحديثة خياراً تصميمياً أكثر مرونة ، وتكشف الفروق في اللون والشكل بين مآذن مناطق المملكة عن تأثير البيئة والتقاليد المحلية، حتى عندما تتشابه الوظيفة العامة ، فقد تختلف المآذن في شكل البدن، وحجم القاعدة، وعدد الشرفات، وشكل ولون القمة، والفتحات، والزخارف، والمواد، وعلاقتها بالمسجد.
دائماً يراودني هذا السؤال !
هل نستطيع قراءة هوية المكان من بناء المسجد أو المئذنة؟ من الصعب تحديد المنطقة دائماً بمجرد النظر إلى المئذنة، لكن اجتماع عناصر مثل طريقة البناء ، و الشكل، والمادة، واللون، والشرفة، والفتحات، والقمة، وعلاقتها بالمسجد والبيئة المحيطة، قد يمنحها شخصية محلية واضحة ، فالمئذنة جزء من المشهد العمراني، وقد تكون علامة نقرأ من خلالها المكان وتاريخه.
عودة إلى واحة القطيف.
تمتلك القطيف تاريخاً عمرانياً غنياً، تشكل من البيئة المحلية والتجارة والعلاقات مع شرق أسيا وأفريقيا و الخليج والمناطق المحيطة ، واعتمدت عمارتها التقليدية على مهارات البنائين ومواد محلية وتقنيات متوارثة، وظهرت فيها عناصر مميزة من الجص والخشب والحجر ، والنورة ، وفي هذا السياق يبرز اسم «مسجد المنارة» وهو حديثنا ، بوصفه مدخلاً إلى أسئلة لا تحسمها الانطباعات والتخمينات ! هل ارتبط الاسم بمنارته؟ هل كانت هناك منارة مميزة في الموقع؟ هل الاسم قديم ومتوارث؟ أم أن «المنارة» كانت في الاستعمال المحلي اسماً للمئذنة؟ً وتحتاج الإجابة الموثقة ، الرجوع إلى المصادر الرسمية و التاريخية والوثائق والصور والروايات المحلية الموثوقة، فالاسم قد يبقى في الذاكرة حتى بعد إزالة المبنى أو تغير ملامحه ، لذلك فإن دراسة «المنارة» لا تتعلق بكلمة فقط، بل بموقع وحكاية وذاكرة وتاريخ.
بين الهلال ورأس الرمح؟
من خلال الجولات الميدانية في مناطق المملكة ودول الخليج، يلفت النظر عنصر معماري يظهر فوق بعض القباب والمآذن، لكنه (لا ) يأخذ الشكل المألوف للهلال ، إنه شكل مدبب، ثلاثي الأضلاع، يشبه رأس الرمح ( للتقريب)؟،! فما الذي يعنيه هذا الشكل؟ ولماذا اختير رأس الرمح بدلاً من الهلال؟ هل هو مجرد تفصيل زخرفي فرضته ذائقة المجتمع أو الأستاذ البنّاء؟ أم أنه يحمل دلالة رمزية مرتبطة بالمكان أو بتاريخ المبنى؟ وهل يمكن أن يكون امتداداً لتقاليد معمارية أقدم، أو علامة تميز مآذن منطقة عن أخرى؟ً في واحة القطيف، يظهر الهلال فوق عدد من القباب والمآذن بوصفه جزءً من التكوين البصري للمسجد ، لا عنصراً من عناصر الوظيفة الأصلية ، لكن بعض المباني تقدم لنا شكلاً مختلفاً ! يظهر رأس مدبب مثلث يعلو القبة أو المئذنة ، فيبدو للوهلة الأولى أقرب إلى رأس رمح ! ، فهل كان هذا الاختيار مقصوداً؟ وهل أراد الأستاذ البنّاء أن يمنح المبنى هيئة مختلفة وأكثر حدة وارتفاعاً؟ أم أن الشكل يحمل رمزاً لم يعد واضحاً لنا اليوم؟ قد يكون هذا الشكل جزءً من التكوين الزخرفي، أو علامة رمزية مرتبطة بالهوية المحلية، أو أثراً من تقاليد بنائية متوارثة ، وربما كان مجرد حل بصري لإنهاء قمة المئذنة أو القبة بطريقة مختلفة عن الشكل الهلالي الشائع في المساجد ، لكن غياب التفسير الحاسم لا يقلل من أهمية هذا العنصر، بل يجعله أكثر إثارة للسؤال ، هل تكشف قمة المئذنة عن ذائقة المكان؟ وهل يمكن أن نقرأ من شكلها تاريخاً أو تأثيراً أو هوية؟ بين الهلال ورأس الرمح الثلاثي، تقف قمة المئذنة شاهدة على تنوع العمارة المحلية، وتفتح أمامنا باباً جديداً للبحث في الرموز والأشكال التي بقيت حاضرة في المباني، بينما غابت معانيها من الذاكرة ،من البناء التقليدي إلى المئذنة الحديثة ، مع تطور مدن السعودية، تغيرت المآذن كما تغيرت بقية عناصر العمارة ، وانتقل البناء من المواد التقليدية إلى الخرسانة المسلحة، وأصبح بالإمكان تنفيذ أشكال أكثر تعقيداً وارتفاعاً ، فظهرت مآذن نحيلة ورأسية، بينما احتفظت أخرى بكتلتها التقليدية أو استلهمت أشكالاً تاريخية.
دور المعماري والمصمم.
عندما تتشابه الوظيفة، يستطيع المصمم إعادة صياغة المئذنة بلغة مختلفة، مستلهماً العمارة المحلية أو التاريخية، أو متبنياً اتجاهاً معاصراً ، لذلك لا تتوقف دراسة المئذنة عند سؤال: ما هذا البناء؟ بل تشمل أيضاً: من صممه؟ ولماذا اختير هذا الشكل؟ وما المرجعية التي استند إليها؟
بين التشابه والاختلاف.
تتشابه مآذن الخليج بحكم التقارب الجغرافي والتاريخي والتواصل التجاري والثقافي، لكنها لا تتطابق ، فقد تكشف تفاصيل صغيرة في اللون والشكل أو المادة أو الزخرفة عن خصوصية كل منطقة، كما تحتفظ اللهجات بخصائصها رغم تشابهها العام.
المنارة والمئذنة سؤال مفتوح!
ليس الهدف من المقارنة بين «المنارة» و«المئذنة» وضع حد صارم بين الكلمتين في كل استعمال، فاللغة تتطور والمصطلحات تتداخل ، ويمكن القول إن المئذنة أكثر ارتباطاً بالمسجد والأذان، بينما تحمل المنارة دلالة أوسع تتصل بالنور والهداية والعلامة، وقد استُعملت في بعض البيئات للدلالة على المئذنة.
معمارياً، تُقرأ المئذنة من خلال موقعها وشكلها وموادها وشرفاتها وفتحاتها وقمتها ولونها وعلاقتها بالمسجد والبيئة المحيطة ، لذلك فهي ليست مجرد عنصر مرتفع، بل وثيقة معمارية تحمل شيئاً من قصة المكان ، ولعل أجمل ما في هذه الرحلة أننا عندما ننظر إلى مئذنة بعد اليوم، لن نراها مجرد برج!
مجرد استفسار .
هل كانت «المنارة» في الذاكرة القطيفية مجرد اسم للمئذنة، أم أن وراء الاسم حكاية معمارية وتاريخية تستحق أن نبحث عنها؟


