سقوط الآداب أم سقوط الأقنعة؟! (2).. الصداقة بين الملاذ والأعباء

ما هو الهدف والمتأمّل من عقد الصداقة بين الناس؛ ليعدّ ذلك مكسبًا وميدان عطاء يستند فيه كل واحد للآخر في مواجهة صفعات الزمن والأزمات المختلفة؟
الصداقة مأوى نفسي يلجأ له الفرد للتنفيس من مصادر الضغوط الحياتية، واستعادة الاتزان الفكري والوجداني لرسم خطوط العمل للمرحلة القادمة، وذلك بعد مواقف وكلمات صادقة يستشعر معها الفرد بأنه لم يصل لنهاية الطريق والأفق المسدود بسبب مشكلة يواجهها.
فإذا ما فقدت قاطرة العلاقة بينهما سكة التقارب الفكري والعاطفي واتجهت نحو طريق مجهول، وذلك من خلال تغييب الحدود العقلية لتلك العلاقة ووضع حواجز مصطنعة تؤلم نفس الآخر بذرائع مختلفة؛ ليغدو ذلك التطاول والتجاوز عادة تتكرر في مواقف مختلفة لتسلب معها ذلك الاحترام والشعور بدفء تلك العلاقة؛ لتتحوّل حينئذ إلى عامل قلق إضافي لما يواجهه من مشاكل لا يستطيع معها العمل بقوة لتحقيق أهدافه وغاياته وطموحاته، فتنقلب الموازين تدريجيًا وتشهد تلك العلاقة مناطق ساخنة من الضيق والنفور.
فالنفوس البشرية -مهما بلغت درجة قربها وتألّق العلاقة بينها- يحكمها الحنين نحو حب التقدير وحفظ الكرامة دون المساس بها بإساءات متكررة، وهذا من أبجديات العلاقة الوازنة والمستمرة التي ينبغي الحفاظ عليها مهما كانت الظروف أو نقاط الخلاف بينهما.
ويجرنا ذلك لتسليط الأضواء على مجموعة من المفاهيم التي يخلط فيها البعض، بما يؤدي إلى زعزعة تلك العلاقة ومرورها باضطرابات قد تصل في النهاية إلى الفراق، ومن ذلك التطرق إلى مفهوم العفوية والتجاوز وتأثير كل واحد منها المختلف في مؤدّاه؛ فالعفوية تعني البساطة في التعامل دون تكلّف، وذلك عندما يشعر الفرد في صداقته وكأنه لوحده أمام مرآة النفس، يضع أسسًا لتلك العلاقة بما يرتضيه لنفسه من مساحة اجتماعية تتأطّر بالاحترام والتقدير لشخصيته وأفكاره وميوله، مع تقبّل للنقد الإيجابي وتبادل وجهات النظر وتأطير ظروفه، وهذا يعني أن تلك العفوية تضفي الدفء والتلقائية على التعامل واللقاءات والنقاشات بينهما.
بينما التجاوز على شخصية الطرف الآخر في تلك الصداقة بجرح مشاعره أو تسخيف آرائه وتطلعاته أو التخاذل عنه في خضم مشكلة يعاني منها يولّد الرواسب النفسية والتراكمات السلبية؛ ليجد نفسه طرفًا خاسرًا ومستنزَفًا في طاقته النفسية؛ ولتصبح تلك العلاقة مصدر إزعاج وألم يعمل على وقفه، فلا يجد بدًا من الانسحاب الهادئ من علاقة عقيمة لا جدوى من الاستمرار فيها.
وننتقل إلى محطة أخرى وهي أسلوب المفاكهة وتبادل الطرائف التي تدخل البهجة والسرور على القلب وتدفع عنه حمائل الهموم والضغوط، وبلا شك أن هذا المزاح له دوره في ترطيب الأجواء بين الأصدقاء وتقوية العلاقة بينهم، إذ إنه يجلب السعادة والراحة النفسية للطرفين ويستعيد كل طرف من خلاله حيوته ونشاطه.
فإذا تجاوز ذلك المزاح حدوده وغاياته المحمودة وتحوّل إلى استهزاء بالعيوب الخَلْقية من أجل إضحاك الآخرين، أو محاولة تسفيه واستصغار ما يصدر منه من فكرة أو وجهة نظر أو مشروع تنفيذي بما يعد نقدًا سلبيًا وتكسيرًا للجناحين وتحطيمًا نفسيًا، أو قيامه بإحراج صديقه أمام الآخرين بأي وسيلة أو أسلوب يستبطن السوء، فقد المزاح حينئذ جوهره الأخلاقي وتحوّل إلى معول هدم لتلك العلاقة بينهما.



