خاطرة في رحيل منصور المتروك

بعض الراحلين لا يرحلون، يبقى صوتهم يملأ فراغ المكان.
هاهما شهران من الفراق الجسدي يعبران الزمن بتثاقل. السماء لا زالت زرقاء، والشمس تطل منها دون تردد موشحة بضوء ردائها البهي، لا صوت يأتي من الصمت، ولكن للذاكرة رأياً آخر.
أسمع صوته المتواضع المحب للناس وهو يقول لهم: "لا تحزنوا، كل شيء سيمضي بسلام". لم يسمعوا أنينك يا أخي منصور وأنت على فراش المرض، ولكن وصلهم حبك وسلامك. وعندما تماثلت قليلاً للشفاء، جئت من موعدك مع طبيبك، تواسي مصاباً بفقد والده أو أخيه أو قريب أو حبيب، فتقول: "لا يمكنني إلا أن أحضر الفاتحة، فهذا المتوفى قريب فلان الغالي على قلبي".
لله درك يا منصور، وماذا عن الأفراح؟ "لن أترك فرحة لصديق أو قريب تمضي من غير أن أحضر لها". وكيف وأنت في هذه الحالة الصحية الصعبة؟
"لا تشيلوا همي، عندي من مسكنات الألم ما يكفي مجموعة من المرضى، حتى أنني أوزع بعضها على من يحتاجها، وعندي أدوية مضادات الحموضة والارتجاع المريئي، ومجموعة الفيتامينات، كلها تبقيني لساعة من القوة الكافية لمشاركة الناس أفراحهم، وأعود إلى منزلي قرير العين راضي النفس، ولو اعتصرني الألم بعدها لأيام!"
تذهب بي الذاكرة بعيداً لفحص قوة إرادته. وقع ذات مرة في ترعة ماء، وكان الوقت شتاءً، كنا أطفالاً نلبس ثوبين أو ثلاثة لنتقي زمهرير البرد، ووجدته يخرج من الترعة الباردة تصطك أسنانه مرتجفة، محاولاً إخفاء ضعفه، لولا مرور أحد الفلاحين الذي نزع عنه ملابسه، وطلب مني إعطاءه ثوباً من الذي أرتديه. كان يسخر من نفسه مرحاً لأن الثوب كان طويلاً عليه، وعندما استدار الفلاح راجعاً من حيث أتى، نزع الثوب، ومضينا إلى البيت وهو في سرواله الداخلي لا غير، وكانت ضحكاته تتزامن مع ارتعاشة جسده النحيل.
كان منصور، ومنذ نعومة أظافره، معتداً بنفسه ولكن دون تكبر، بل إنه كان على نقيض التكبر والغرور، لذلك أحاطت به أنواع مختلفة من طبقات المجتمع، وكل فئة كانت لها في نفسه موقع متميز، تراه مع التجار والأثرياء في تناغم، ولكنه مع الفقراء ومتوسطي الحال في علاقة تتصف بالألفة والمودة، حتى ليخال للمرء وكأنه في رباط من الحبل السري يتنفسه معهم.
وكذا علاقاته الأخرى صافية عذبة، لكل مجموعة عنده مسمى اخترعه لنفسه، كما لكل شخص ارتبط به يضع له كوداً خاصاً به، صديق سماه الغزال الشارد، وآخر قارورة عطر، وثالث خط البلدة، وجميعهم يربطهم بكلمة محببة إليه: "وردة".
أخذ من أصحابه كل ما كان جميلاً، إن أحدهم يتميز بالنكتة والظرافة، تراه تعلم منه روح الدعابة، وإن كان آخر يتميز بثقافة أحبها، تجده يقتفي أثره في نيل حصته منها، وثالث يجيد فن الحديث واللباقة، يثني عليه في غيابه، ويخبر من حوله بحبه لذلك النمط الذي ود لو كان مماثلاً، فهو يعطي لكل ذي حق حقه.
هكذا نشأ الكابتن، الذي أبدع على طريقته في اكتشاف أسلوب لحياته، ونمطاً جميلاً لعلاقاته. جاء للدنيا وحيداً يتيماً، ولكن أحاطته العائلة بدفئها وعطفها ومحبتها منذ تنفس هواء الحياة، آزرته عندما انكشفت له حقائق اليتم ومرارة الوحدة والاغتراب، فما لبث أن وجد حوله فاطمة، أمنا جميعاً، وقد أغدقت عليه بعطف أمومي لن يحظى به سوى قلة من أمهاتهم الأصلاء، وحنان من حبابة، أفنت بقية عمرها تنثره بينه وبين فلذات كبدها.
ولم ترض أن ينهال عليك هذا العطف والمحبة دون أن ترده لمن بقي منهن بأشكال مختلفة، بعضه على شكل محبة، وبعضه في صلة من الود لم تنقطع إلا عندما توقف النفس. وللآخرين من الأقربين والأصدقاء الأوفياء لك نصيب كبير من العطايا التي أغدقتها بدون حساب أو مقابل.
إلى روحك الطاهرة مني يا أخي منصور كل محبة وسلام، نم قرير العين تحرسك عين الذي لا ينام.



