حين شيّعت أمي إلى مثواها الأخير

يختلف شعور التشييع من شخص إلى آخر اختلافًا كبيرًا، وإن كان الموت هو الموت، ومراسم التشييع واحدة، والنعش نعشًا، والمثوى الأخير واحدًا؛ إلا أن الإحساس بمقام الراحل ومكانته في قلب من يشيّعه، هو الذي يصنع الفارق الحقيقي في عمق الحزن ووجع الفراق.
لقد شيّعنا الكثير من موتانا المؤمنين والمؤمنات؛ منهم القريب، ومنهم الصديق، ومنهم الجار، ومنهم من عامة الناس، وكان لكل واحد منهم وقعٌ خاص في نفوسنا، ونصيبٌ من الحزن في قلوبنا، وإن كان فقد الأقارب والأرحام والاحباب أشد حزنًا وألمًا.
لكن حين شيّعت أمي، كان الأمر مختلفًا تمامًا…
شعرت وكأنني لا أشيّع أمي، بل أشيّع نفسي، وكأن المحمول على النعش هو أنا، لا هي.
فأمي لم تكن بالنسبة لي أمًّا فحسب، بل كانت كياني، ووطني، وملجئي، وكانت شيئًا من كل شيء في حياتي. لذلك لم يكن تشييعها كتشييع مرّ عليّ طوال حياتي، ولم أعرف المعنى الحقيقي للتشييع، ولم أدرك قسوة الفراق بهذا العمق، إلا عندما وجدت نفسي أمشي خلف نعش أمي، وأرى تلك الرحلة التي لا عودة بعدها.
رحمكِ الله يا أمي، كم كان الطريق إلى مثواكِ الأخير طويلًا وثقيلًا على قلبي!
عندما رحل أبي، لم أكن قد شاركت في تشييعه؛ فقد كنت صغيرًا، ولم تسمح لي أمي الحنون بالذهاب خوفًا عليّ، وهي التي كانت تعلم مدى علاقتي بأبي وارتباطي به، ومدى ارتباطه بي وأنا طفل.
وحتى بعد هذه المسافة الزمنية الطويلة التي تفصلنا عن رحيله، ما زالت تفاصيله تسكن ذاكرتي وكأنها حدثت بالأمس.
كنت عندما أذهب إلى النوم، يطلب مني أن أنام إلى جواره، قريبًا من صدره الحنون. وما زلت أتذكر رائحة صدره وجسده، وكأنه ما زال بين ذراعيّ وذاكرتي. كان يضمني إليه، ويقبّلني كثيرًا، ثم يغطيني بدفء جسده، ويتلو ما تيسّر من القرآن الكريم وبعض الأدعية الشريفة، وتبقى يده فوق رأسي حتى تغفو عيناي في نوم عميق، ولا أستيقظ إلا لأجد عينيّ في عينيه الكريمتين العطوفتين.
كان والدي، رحمه الله، رحيمًا حنونًا جدًا بأبنائه، وبناته على وجه الخصوص. وحين رحل، لم يكن عمري يتجاوز السابعة من ربيع العمر. كنت طفلًا، ومع ذلك أتذكر أنني عشت بعد رحيله فترة من الزمن فاقدًا شيئًا لا أعرف كيف أصفه إلا بأنه طعم الحياة.
أتذكره وهو يمسك بيدي في ذهابي إلى المدرسة وعودتي منها، ويحمل عني حقيبتي، ثم يطعمني عندما نصل إلى البيت.
كان أبي بالنسبة لي أمانًا يمشي على قدمين، وحين رحل، ترك في داخلي فراغًا روحيًا وعاطفيًا كبيرًا، فراغًا لم يستطع أن يملأه أحد… سوى أمي.
وهنا بدأ دور أمي العظيم.
أمسكت زمام الحياة، وحملت مسؤولية الأم والأب معًا، وأحسنت القيام بالدورين، حتى كنا نشعر بالفعل أن أمنا هي أمنا وأبونا في آن واحد.
رحمكما الله يا أبي وأمي، وأعلى مقامكما، وجمعكما في أعلى درجات جنانه مع محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين.
لهذا، لم تكن أمي بالنسبة لنا أمًا فحسب، بل كانت الحياة بكل ما تعنيه هذه الكلمة.
كرّست حياتها لتربيتنا ورعايتنا، دون كلل أو ملل، ونسيت نفسها وحقوقها، ورفضت كثيرًا من متاع الدنيا، وفرّغت نفسها وروحها لحراسة أبنائها ورعايتهم بكل ما تستطيع.
وكان سندها بعد الله سبحانه وتعالى ابنها الأكبر، أخي سعيد حفظه الله، الذي لم يكن حينها يتجاوز العشرين عامًا، فتحمّل معها أعباء الحياة ومتاعبها بكل عزة وكرامة وشموخ، وظل سندًا لها وللعائلة.
وكانت أمي تغرس فينا عزة النفس، لا تكبّر الأنا، وتعلّمنا أن الإنسان لا يستمد قوته من الناس، وإنما من توكله على الله سبحانه وتعالى.
وكانت تكرر علينا دائمًا أن التوكل على الله هو الحبل المتين، والرحمة المنزلة على عباده في الشدة والرخاء، وكانت توصينا بالتسامح مع أنفسنا ومع الناس، وبالأخص الأرحام، وكانت تحثنا على صلتهم والمحافظة عليهم.
رحلت أمي، ولكن كلماتها لم ترحل.
رحلت صورتها، وبقيت سيرتها.
غاب صوتها، وبقي صداه في أرجاء البيت.
وهنا بدأت أشعر أن رحيل أمي لم يكن رحيل شخص من حياتي، بل كان اقتلاع جزء من روحي.
لهذا أقول:
رحيل أمي رحيلي، وكفن أمي كفني، ونعش أمي نعشي، وتشييع أمي تشييعي، وقبر أمي قبري.
رحلتِ يا أمي وتركتِني جسدًا بلا روح.
تركتِني أفتّش عنكِ في غرفة نومكِ، وفي صالة جلوسكِ، وفي المكان الذي كنتِ تستقبلين فيه أبناءكِ وضيوفكِ صباحًا ومساءً.
أخذت أفتّش عنكِ في كل زاوية من زوايا المنزل، أبحث عن ملامحكِ، عن خطواتكِ، عن رائحتكِ، عن صوتكِ، عن أي شيء يمكن أن يدلني عليكِ.
لكنني لا أجدكِ…
ولا أسمع صوتكِ.
وإن صرخت بكل ما بقي في صدري من صوت:
أماه… أماه… ملوك…
فلا جواب.
كنتِ جميلة خَلقًا وخُلقًا، وكان كل من يراكِ يُعجب بجمالكِ، حتى بعدما تجاوزتِ التسعين من عمركِ.
وكان اسمكِ «ملكة» يشابه جمالكِ؛ اسمٌ جميلٌ يحمل من الرقة والجمال ما كان يسكن ملامحكِ وروحكِ الطاهرة.
كنا، بنين وبنات، نتفاخر بأن نشبهكِ، بما رزقكِ الله من جمالٍ في الخِلقة، وجمالٍ في الروح، وطهارةٍ في القلب.
فأين أنتِ الآن يا أمي؟
أين صوتكِ الحنون؟
أين نداؤكِ الذي كنتِ تسبقيننا به؟
أين سلامكِ الذي كان يسبق سلامي عليكِ، تعطفًا وكرمًا وحبًا منكِ؟
لا تقولي لي إنكِ تحت التراب…
لا تقولي لي إنكِ رحلتِ عنا إلى الأبد…
قولي لي، يا أمي، إن ما يحدث مجرد كابوس مرعب، وإنني سأستيقظ منه، وسأجدكِ أمامي كما كنتِ دائمًا.
ولكنها الحقيقة المؤلمة التي أحاول الهروب منها كلما أغلقت عينيّ…
أمي رحلت.
رحلت ملوك، وبقيت ذكراها تسكنني.
سأبكيكِ ما حييت، لا جزعًا من قضاء الله، ولا اعتراضًا على حكمه، وإنما وفاءً لروحكِ الطيبة، وامتنانًا لكل ما قدمتِه لنا، ولكل دمعة أخفيتِها، ولكل تعب تحملتِه، ولكل لحظة من عمركِ وهبتِها لنا دون أن تطلبي شيئًا في المقابل.
يا أمي…
كنتِ لنا الحياة حين كانت الحياة قاسية، وكنتِ الأمان حين كان الخوف كبيرًا، وكنتِ الحضن حين كنا نحتاج إلى حضن، وكنتِ الدعاء الذي يسبق خطواتنا ويحرسنا دون أن نشعر.
واليوم، بعدما غاب جسدكِ عن أعيننا، أدركت أن بعض الأمهات لا يُدفنّ حين يُوارى جسدهنّ التراب؛ لأنهنّ يسكنّ أبناءهنّ إلى الأبد.
رحمكِ الله يا أمي رحمةً واسعة، وجعل قبركِ روضةً من رياض الجنة، وأنار وحشتكِ، وآنس غربتكِ، وحشركِ مع محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين، وجزاكِ عنا خير الجزاء.
وداعًا يا أمي…
وداعًا يا ملوك…
ولكنه ليس وداعًا لروحكِ؛ فأنتِ باقية في قلبي ما بقي في صدري نفس، وفي ذاكرتي ما بقي لي من عمر، وفي دعائي ما بقي لي من حياة.
سلامٌ عليكِ يوم وُلدتِ، ويوم تعبتِ من أجلنا، ويوم رحلتِ عنّا، ويوم نلتقي بكِ في رحاب الله، بإذن الله، حيث لا فراق ولا وجع ولا دموع.
الفاتحة المباركة على روح أمي الغالية، وعلى أرواح موتانا وموتى المؤمنين والمؤمنات، رحم الله من قرأ الفاتحة وأهدى ثوابها إلى روحها الطاهرة.



