أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

خريطة المرض في العالم ( 3 من 4 ): لماذا تتركز بعض الأمراض في مناطق دون أخرى؟

د. عيسى العقيلي · القطيف اليومالجمعة 25 سبتمبر 2026، 2:00 م
خريطة المرض في العالم ( 3 من 4 ): لماذا تتركز بعض الأمراض في مناطق دون أخرى؟

في الجزأين السابقين رأينا أن الأمراض لا تتوزع بالتساوي بين المجتمعات، وأن الغذاء والماء ونمط الحياة والوراثة والعمر والظروف الاجتماعية والرعاية الصحية، كلها تشترك في رسم خريطة المرض.

لكن هناك سؤال أكثر ارتباطًا بالجغرافيا:

لماذا نجد مرضًا شائعًا في منطقة، بينما يكون نادرًا أو شبه غائب في منطقة أخرى؟

أحيانًا تكون الإجابة قريبة منا؛ في الماء الذي نشربه، والمناخ الذي نعيش فيه، والحشرات التي تنتشر حولنا، وطبيعة البيئة المحيطة بنا.

عندما يصبح المكان جزءًا من المرض

بعض الأمراض تحتاج إلى ظروف معينة حتى تنتشر. فقد تحتاج إلى درجة حرارة مناسبة، أو مياه راكدة، أو ناقل ينقل العدوى من شخص إلى آخر، أو بيئة تساعد على بقاء الميكروب وانتشاره.

ولهذا لا يمكن أن ننظر إلى المرض بمعزل عن المكان.

خذ الملاريا مثالًا واضحًا. فالمرض لا ينتشر بالتساوي في العالم، بل يتركز بصورة كبيرة في المناطق المدارية وشبه المدارية، وتتركز النسبة الأكبر من عبئه في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

وهنا تصبح الجغرافيا جزءًا من قصة المرض؛ فوجود الظروف المناخية والبيئية المناسبة، مع وجود البعوض الناقل للملاريا، يساعد على استمرار دورة انتقال المرض وانتشاره.

فالإنسان لا يمرض لمجرد أنه يعيش في منطقة معينة، وإنما لأن المكان قد يهيئ ظروفًا تسمح بانتقال المرض.

وهكذا نرى كيف يمكن للجغرافيا أن ترسم حدودًا غير مرئية للمرض.

المناخ قد يغير خريطة المرض

درجة الحرارة والرطوبة والأمطار ليست مجرد أحوال جوية نعيشها يوميًا، بل قد يكون لها تأثير مباشر في بعض الأمراض.

فالمناخ يؤثر في تكاثر بعض الحشرات والناقلات، وفي دورة حياة بعض الميكروبات، وفي توفر المياه والبيئة المناسبة لانتقال العدوى.

ولهذا قد يكون مرض معين شائعًا في منطقة ذات ظروف مناخية وبيئية مناسبة، بينما يقل انتشاره عندما تتغير هذه الظروف.

لكن المناخ وحده لا يفسر كل شيء؛ فهناك أيضًا مستوى النظافة، وتوفر المياه الآمنة، والصرف الصحي، ووسائل الوقاية، والخدمات الصحية، وسلوك المجتمع.

الماء والبيئة… حدود غير مرئية

وقد تصنع المياه نفسها فرقًا كبيرًا في خريطة الأمراض.

فالمناطق التي تعاني من مياه ملوثة أو ضعف في الصرف الصحي قد تكون أكثر عرضة لبعض الأمراض المعدية التي تنتقل عن طريق الماء والغذاء.

ولا يقتصر أثر البيئة على الماء والنظافة؛ فهناك عامل آخر لا ينبغي إغفاله، وهو طبيعة الغذاء الذي يتناوله سكان المنطقة. فالغذاء يختلف من مجتمع إلى آخر، وقد تختلف معه كمية الملح والدهون والسكريات، ونوعية الأطعمة وطريقة إعدادها، وهذا الاختلاف قد ينعكس على انتشار بعض الأمراض المزمنة.

وهنا نعود إلى فكرة مهمة: عندما تتغير البيئة، يمكن أن تتغير الأمراض معها.

وهذا ما يمكن أن نراه في تجربة المملكة العربية السعودية؛ فقد أسهم تحسين مصادر المياه، ورفع مستوى النظافة والصرف الصحي، ومكافحة الحشرات والناقلات، والقضاء على مصادر العدوى، في الحد بصورة كبيرة من انتشار عدد من الأمراض.

ومن الأمثلة على ذلك الملاريا والبلهارسيا والليشمانيا، التي تراجعت بدرجة كبيرة عما كانت عليه في السابق في بعض المناطق. كما أسهمت برامج التطعيم والوقاية في خفض الإصابة ببعض الأمراض، ومنها التهاب الكبد الوبائي والدرن، إلى جانب ما حققته برامج مكافحة الأمراض وتحسين البيئة والخدمات الصحية.

وهذه التجربة لا تتعلق بمرض واحد، بل تكشف كيف يمكن للعمل الصحي المنظم، وتحسين البيئة، والوقاية، ومكافحة مصادر العدوى، أن يعيد رسم خريطة الأمراض.

فالإنسان قد لا يستطيع تغيير المناخ أو الموقع الجغرافي، لكنه يستطيع التدخل في كثير من العوامل التي تجعل المكان مناسبًا للمرض؛ من المياه والصرف الصحي والنظافة إلى مكافحة الناقلات والوقاية.

لماذا تختفي بعض الأمراض من مكان وتبقى في آخر؟

قد يتساءل القارئ: إذا كان المرض موجودًا في العالم، فلماذا لا ينتشر في كل مكان بالطريقة نفسها؟

لأن سلسلة انتقال المرض تحتاج، في كثير من الحالات، إلى اجتماع عدة ظروف. فإذا غاب أحدها أو تغير، قد تقل قدرة المرض على الانتشار.

وقد يكون المرض موجودًا في منطقة منذ سنوات، ثم يتراجع مع تحسن الوقاية والصرف الصحي والتطعيم والعلاج، بينما يستمر في منطقة أخرى بسبب استمرار الظروف التي تساعد على انتشاره.

وهنا تصبح خريطة المرض متحركة؛ فهي لا تتغير بسبب الجغرافيا والمناخ فقط، وإنما أيضًا بسبب تدخل الإنسان.

الجغرافيا لا تعمل وحدها

ومع ذلك، من الخطأ أن نقول إن الجغرافيا وحدها تحدد مكان المرض.

فقد تتشابه منطقتان في المناخ، لكن تختلفان في انتشار المرض بسبب مستوى الرعاية الصحية، أو النظافة، أو توفر المياه الآمنة، أو برامج الوقاية، أو سلوك السكان.

كما أن هناك أمرًا آخر يجب أن نعترف به: قد تكون بعض أسباب تركز أمراض معينة في مناطق محددة غير معروفة لنا حتى الآن. فالعلم الطبي، رغم تقدمه الكبير، لم يكتشف جميع العوامل التي تحدد لماذا يظهر مرض بكثرة في مجتمع أو منطقة، ولماذا يقل في منطقة أخرى.

وقد تكون هناك عوامل بيئية أو وراثية أو سلوكية، أو تداخلات بين عدة عوامل، لم نفهمها بصورة كاملة بعد. ولذلك فإن غياب التفسير الكامل لا يعني غياب السبب، بل يعني أن البحث العلمي ما زال مستمرًا.

إذن، المكان يهيئ الظروف، لكن الإنسان والمجتمع والخدمات الصحية، وربما عوامل أخرى لم نكتشفها بعد، قد تغير النتيجة.

فالإنسان ليس مجرد متلقٍّ للظروف المحيطة به، بل يستطيع من خلال الوقاية وتحسين البيئة والرعاية الصحية أن يغير كثيرًا من نتائجها.

ولهذا فإن خريطة المرض ليست خريطة جغرافية بالمعنى البسيط، وإنما هي نتيجة تفاعل بين المكان والمناخ والبيئة والغذاء والإنسان، وربما عوامل أخرى لم نصل إلى معرفتها بعد.

من خريطة العالم إلى خريطة المرض

عندما ننظر إلى العالم بهذه الطريقة، ندرك أن الحدود السياسية ليست هي الحدود الوحيدة التي ترسمها الخريطة.

هناك حدود أخرى تصنعها الحرارة والرطوبة والمياه والبيئة والناقلات والغذاء والخدمات الصحية.

وقد يكون المرض شائعًا في منطقة اليوم، ثم يتراجع غدًا عندما تتغير الظروف التي تساعد على انتشاره.

وهذا يجعل خريطة المرض خريطة متحركة، تتغير مع تغير المناخ والبيئة وحياة الناس ووسائل الوقاية والرعاية الصحية.

ومن هنا نفهم أن السؤال ليس فقط: أين يوجد المرض؟

بل الأهم: لماذا يوجد هنا أكثر من هناك؟ وما الظروف التي سمحت له بالانتشار؟ وما الذي يمكن أن يغيّر هذه الخريطة؟

وفي الجزء القادم ننتقل إلى خريطة مختلفة، لكنها لا تقل أهمية: السرطان والأمراض الوراثية… لماذا تختلف من مجتمع إلى آخر؟