الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

أظنك تحتاجه...

السيد قصي الخباز · القطيف اليومالثلاثاء 29 سبتمبر 2026، 7:27 م
أظنك تحتاجه...

قبل أن نمضي معاً في هذا المقال، أطرح سؤالاً: من يظن أنه بحاجةٍ إلى هذا التدريب على التفكر مثلي؟

إننا إذا تفكّرنا في هذا العالم وهذا الخلق، ولو بقليلٍ من التأمل، ندرك يقيناً بأننا غير قادرين على الإحاطة بما خلق الله عز وجل.

ثم إذا قرّبنا أنفسنا من العوالم التي ذُكرت في القرآن الكريم، نجد أيضاً أننا غير قادرين على معرفة هذه العوالم؛ قال الله عز وجل: (وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ).

ثم إذا تنزلنا وقلنا: فلنتفكر في هذا العالم فقط الذي نعيش فيه، نجد أن الصورة تتضح أكثر ولكن حتى إذا تفكرنا في هذا العالم وهو عالم المادة، نجد أننا غير قادرين أيضاً على الإحاطة ومعرفة كل الأشياء.

فما هذه الحيرة؟! إذاً، فلأتخذ نفسي -أنا- موضعاً للتفكر، ولتتخذ أنت أيها القارئ نفسك موضعاً وموضوعاً للتفكر.

قال الله عز وجل: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ). ولا أخال أنك تقف عند قوله: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ) ثم تسأل: هل هي النفس، أم المقصود منها ما هو المجموع من النفس والبدن؟ فلنتجاوز ذلك قليلاً ولنرجع إلى ما كنا فيه. ولنتفكر في هذا العنصر المادي وهو هذا البدن الذي خُلق من نطفةٍ من منيٍّ يُمنى، وكيف أن هذه النطفة جُعلت علقة، ثم مضغة، ثم عظماً! ولقد تكرر ذلك في الكتاب الكريم في أكثر من مورد.
وهذه النطفة التي كوّنت هذا البدن، لو تُركت ساعةً في الهواء لفسدت ونتنت، فسبحان ربك كيف جعل من هذه النطفة أقساماً وأجزاءً متشابهة ومتساوية؛ إلى عظام، وأعصاب، وعروق، وأوتار، ولحم! ثم كيف ركّب من اللحم والأعصاب والعروق الأعضاءَ الظاهرة؛ فدوّر الراس، وشقّ السمع والبصر والأنف والفم، وسائر المنافذ؟ وكيف مدّ اليد والرجل، وقسّم رؤوسها بالأصابع، وقسّم الأصابع بالأنامل؟ ثم كيف ركّب الأعضاء الباطنة من القلب، والمعدة، والكبد، والطحال، والرئة، والرحم، والمثانة، والأمعاء.

كل واحدٍ على شكلٍ مخصوص، بمقدارٍ مخصوص، لعملٍ مخصوص؟ ولو أفنينا عمرنا في تأمل وتفكر خلق هذا البدن فقط، لما أكملنا هذا التأمل! فلو أخذنا عظماً من العظام وكيف جعله الله مجوفاً أو عريضا؟

ولما كان الإنسان محتاجاً إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه لقضاء حاجاته، لم يجعله عظماً واحداً، بل عظاماً كثيرة بينها مفاصل حتى تتيسر بها الحركة وقد شُكّل كل واحد منها على وفق الحركة المطلوبة! وكيف ربط بعضها ببعض بأوتار أنبتها من أحد طرفي العظام وألصق بالطرف الآخر كرباط له؟ ثم خلق في أحد طرفي العظم زوائد خارجة منه، وفي الآخر حفر فيه منابت لتكون مورداً لهذه الأربطة.

انظر إلى خلق الله عز وجل في عنصرٍ واحد من نفسك وهو العظم! وكيف ركّب هذه العظام على بعضها؟ وكيف نسّقها، وجملها، وصوّرها، ودوّرها؟ وكيف جعل الظهر والرقبة من العظام، وكيف جعل بينها هذه الفقرات؟ ثم أوصل عظام الظهر بعظام الصدر، وعظام الكتف بعظام اليدين؟

أَتَزْعَمُ أَنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ ... وَفِيكَ انْطَوَى العَالَمُ الأَكْبَرُ
ثم إنه عز اسمه لم يجعلها متحركة بذاتها، بل جعل لها قوةً في النفس تحركها.

أليس الإنسان لم يكن شيئاً؟ كما هو مصداق الآية الكريمة: (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا).

فانظر إلى لطف الله وكرمه، وإلى قدرته وحكمته، وانظر إلى آيات الله تبهرك العجائب حتى تقترب منه عز وجل، فهذا التفكر مقربٌ للحضرة الإلهية.

وكل ما ذكرناه هنا لا يعدو تفكراً في عنصرٍ واحد من خلقنا الجسماني، فما بالك لو تفكرت في الأرض والجبال التي أرساها، والبحار والمياه التي غمرها، والسماوات وما حوتها؟
إن غرضي أيها العزيز أن أقف معك على درسٍ تطبيقي لموضوع التفكر؛ فالتفكر في خلق الله عظيم، ويستحق منا صرف ساعةٍ بل ساعات من عمرنا في سبيل معرفة عظَمة الخالق.

الآن وقد وصلتُ معك للختام، أظنك تدرك معي الآن ما جاء في الحديث الشريف: (من عرف نفسه فقد عرف ربه) وأنّى لنا ذلك!

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.