عندما تضيق بالأم الدنيا… إلى من تلجأ؟

الأم في حياتها تبدو قوية أمام أبنائها؛ تتحمل الكثير، وتصبر على ما تواجهه، وتحاول أن تخفي عنهم كثيرًا من تعبها. لكن عندما تضيق بها الدنيا، أو تواجه أزمة مفاجئة، فإنها تبحث غالبًا عن الشخص الذي تشعر معه بالأمان والثقة.
وقد يكون هذا الشخص أحد أبنائها، وربما يكون ابنًا بعينه تراه الأقرب إليها من بين أبنائها، حتى إنها قد تلجأ إليه قبل بناتها. وهذا لا يعني أنها تحبه أكثر من الآخرين، ولا أن الآخرين أقل مكانة عندها، وإنما لأن بينهما علاقة خاصة نشأت وتعمقت مع مرور السنوات.
وهذا الاختيار لا يظهر فقط في أوقات الشدة. ففي بعض الأحيان، عندما تريد الأم الذهاب إلى موعد في المستشفى، أو زيارة أحد الأقارب، أو إنجاز بعض مشاويرها الخاصة، تختار أحد أبنائها دون غيره. قد لا يكون السبب أنه الأكبر سنًا أو الأكثر فراغًا، وإنما لأنها اعتادت صحبته، وتشعر معه بالراحة، وتأنس بوجوده إلى جانبها.
وهذه العلاقة لا تُبنى في يوم واحد، وإنما تصنعها مواقف صغيرة ومتكررة؛ ابن يرافق أمه، وآخر يتصل بها ليطمئن عليها، وثالث يبادر إلى خدمتها عندما تحتاج إليه. فالقرب من الأم لا يُمنح دفعة واحدة، وإنما تصنعه عشرات المواقف الصغيرة التي قد لا نشعر بقيمتها وقت حدوثها، لكنها تبقى في قلبها وذاكرتها.
وأتذكر موقفًا لإحدى الأمهات عندما أُصيبت بمرض مفاجئ، وكانت الأسرة أمام خبر صعب وموقف مليء بالقلق. وفي وسط هذا القلق، لم تتردد في الاتصال بأحد أبنائها؛ كان أول من أرادت أن يصل إليه الخبر، لأنه كان الأقرب إليها من بين أبنائها.
لم يكن اختيارها له وليد تلك اللحظة، وإنما كان نتيجة سنوات من المواقف البسيطة التي جمعته بها. رافقها في بعض مشاويرها، وكان حاضرًا في مواقف مختلفة من حياتها، وتعمقت بينهما الألفة والثقة.
وهنا ندرك أن الأم عندما تختار أحد أبنائها في لحظة ضعف أو خوف، لا يعني ذلك أنها تفضله في المحبة على بقية أبنائها، وإنما قد تجد نفسها تلقائيًا تتجه إلى الشخص الذي اعتادت أن تجده قريبًا منها، وتشعر أنه يفهمها ويستطيع أن يقف معها.
وقد تقول الأم في تلك اللحظة: أريد فلانًا دون أن تستطيع أن تشرح لماذا اختارته. لكن الجواب ربما يكون في سنوات طويلة من التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد، بينما تبقى في ذاكرة الأم وقلبها.
فالبر بالأم ليس فقط في تقديم المال أو قضاء الحاجات الكبيرة، وإنما في الحضور، والمرافقة، والسؤال، والإنصات، والشعور بأنها ليست وحدها. وقد قال الله تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾
[العنكبوت: 8].
وقال أبو العلاء المعري:
العَيْشُ مَاضٍ فَأَكْرِمْ وَالِدَيْكَ بِهِ
وَالأُمُّ أَوْلَى بِإِكْرَامٍ وَإِحْسَانِ
وهو معنى جميل يذكّرنا بأن العمر يمضي، وما يبقى للإنسان هو ما قدّمه لوالديه من بر وإحسان.
وقد لا يدرك الابن أن مشوارًا بسيطًا قطعه مع أمه، أو موعدًا في المستشفى رافقها إليه، أو زيارة لأحد الأقارب جلس معها فيها، قد صنع في قلبها مكانة خاصة له.
فإن كنت أنت ذلك الابن الذي اختارته أمك من بين إخوانه، فهذه نعمة كبيرة، ساقها الله لك فاحمد الله عليها، وكن أهلًا لها. فأن تكون موضع ثقتها ليس امتيازًا فقط، بل مسؤولية أيضًا؛ فلا تخذل قلبًا اعتاد أن يجد عندك الحاجة .
كن ذلك الابن الذي تجد فيه أمه السند وقت الشدة، والأنس في مسيرة الحياة، والراحة في لحظات القلق.
فالأم لا تبحث دائمًا عن الابن الذي يستطيع أن يحل المشكلة، وإنما تبحث عن الابن الذي تشعر أنه لن يتركها وحدها أمام المشكلة.



