أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سقوط الآداب أم سقوط الأقنعة؟! (٦): الصداقة اختبار الأخلاق

السيد فاضل آل درويش · القطيف اليومالخميس 1 أكتوبر 2026، 1:33 م
سقوط الآداب أم سقوط الأقنعة؟! (٦): الصداقة اختبار الأخلاق

العلاقات الاجتماعية مظهر لما يؤمن به الإنسان من قيم تتجسّد في أسلوب حديثه وتعامله مع الآخرين، ولكننا نجد مفارقة عجيبة في تعامل البعض مع الآخرين بأسلوبين مختلفين؛ فتراه يتعامل مع الشخص البعيد بكل لباقة وأدب، فينتقي كلماته ويعتني بها في سردية جميلة، ولكنه متى ما أمِنَ له صديقه وارتاح له وتطوّعت علاقتها بالبساطة والعفوية، شعر حينئذٍ بزوال الحواجز، فأظهر “ميانة” على صديقه ولكن بقالب سلبي ممقوت، فيتطاول عليه ويستسهل الإساءة إليه أو جرح مشاعره. فتظهر حقيقة أخلاقه كما هي بعيداً عن الرتوش والتزويق والتمويه بلبس قناع الأدب الجم.

وهذه المفارقة خاطئة؛ إذ إن الصداقة والقرب من الآخر وجدانياً وفكرياً يستوجبان المزيد من الاحترام لا التجاوز بحجة واهية وهي الصداقة؛ فالصداقة مرآة دقيقة تكشف مقدار رسوخ الأدب في النفس وحسن التعامل، وليست مبرراً لإلغائه أو التجاوز بأي شكل من الأشكال. فكلما زادت المحبة والانسجام، ازدادت الحاجة إلى رعاية حرمة الآخر وخصوصياته ومشاعره وكرامته.

فالصداقة لا تعني أن يصبح الإنسان أكثر جرأة ووقاحة في التجاوز والتطاول على الصديق، بل إن الوعي والفهم لأطر العلاقات الاجتماعية يدعوان إلى صونها وحفظها من كل عوامل التوتر والخصومة. قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾{ البقرة الآية ٨٣ } ؛ فجاء الخطاب في الآية الكريمة عاماً يشمل جميع من نتعامل معهم دون استثناء، فلم يجعل حسن القول مقصوراً على الغريب، ولم يستثنِ الصديق والقريب، بل هو الأحق بالاهتمام والعناية بأحواله وتقدير ظروفه.

وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾{ الحجرات الآية ١١ } ؛ فحذّر سبحانه من أحد عوامل هدم العلاقات الاجتماعية وتخريبها، وهو إطلاق الكلمات دون سياج الانتقاء والاحترام. فالتنابز بالألقاب (وهو وضع الأسماء والصفات التي تدل على نقص أو عيب) يوغر القلوب، ويشدُّ عصب المشاحنات والخصومات، ويخرق جدارية الاحترام والمودة. ومن أجل علاقات وازنة وراسخة، تحذّر الآية الكريمة من سوسة أخلاقية تنخر العلاقات حتى الجذور وتسقطها؛ فالتنابز بالألقاب قد يبدو في لحظة عابرة مجرد مزاح، ولكنه قد يستقر في القلب جرحاً طويلاً وانعكاساً نفسياً سيئاً.

وهكذا تؤصل القيم التربوية مساحة العلاقة مع الصديق والحفاظ عليها من عوامل الهدم والخراب؛ فالصديق لا يشكّل منطقة لتنفيس الغضب والهموم والمشاكل وكأنه مَكَبُّ نفايات يستقبل منا الإهانة أو المزاح الممزوج بالسخرية. فتلك الآداب والقيم هي صمام الأمان من انقلاب تلك العلاقات إلى مصدر إزعاج وألم لا بد من التخلص منه في نهاية المطاف.

إن الحضور المريح والمؤنس هو ما ينشده كل شخص من صداقاته، ومجرد وجود اختلاف أو زعل أو إساءة غير مقصودة لا يعكّر صفو علاقتهما؛ إذ يمكنهما من خلال التحاور والاعتذار وظهور علامات التقدير أن يعيدا المياه إلى مجاريها. فقيمة الصداقة تكمن في مقدار الأمان الذي تمنحه للآخر، والكرامة التي تحفظها له، ومعرفة موضع الكلمة وحدودها.