أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

اقلب الصفحة يا دكتور

إبراهيم الزين · القطيف اليومالثلاثاء 6 أكتوبر 2026، 11:59 ص
اقلب الصفحة يا دكتور

الدكتور عبدالله العبيدان، لمن لا يعرفه، هو استشاري أطفال وعناية مركزة أطفال في مستشفى القطيف المركزي، وأول استشاري عناية مركزة في القطيف (أطفال)، والخامس على مستوى المنطقة الشرقية.

ولد وترعرع في قريته الوادعة القديح، ولا يزال يعيش فيها مستقراً، ولم يكلف نفسه عناء الانتقال منها، والابتعاد عنها، ودوام الاشتياق لها.

وتجمعني بهذا الإنسان الرائع صداقة وأخوة وجيرة تمتد بامتداد علاقتنا المتوطدة، خارج حسابات الزمن، وأبعاد الأمكنة.

تقاعد أبو محمد منذ أيام، وفتح صفحة جديدة في حياته، أعلم أنها ستكون زاخرة بالجمال والتنوع؛ فهو أديب وشاعر ومحاضر نوعي، وقارئ نهم، ومثقف من الطراز الأول، وصاحب حضور اجتماعي عريض.

نرحب به في نادي المتقاعدين، مع الدعاء له بحياة هانئة وهادئة، وهو يفتح صفحة من صفحات الحياة وينهي أخرى، لا بد أنها كانت شاقة وشيقة بمنعطفاتها وأحداثها وتفاصيلها، وهي مهنة الطبابة، تلك المهنة العظيمة في رسالتها، الشريفة في مكانتها.

وهنيئاً للأطباء والطبيبات، ولكل من يعمل في هذا السلك الصحي المهم، وقد سخرهم الله لخدمة البلاد والعباد.

تقاعد الدكتور أبي محمد يعيدني إلى فكرة تراودني دوما:

هل تقاعد الإنسان عن وظيفته يعني تقاعده عن كل ما يرتبط بها؟

شخصياً لا أؤمن بأن هذه الفئة من البشر تنتهي صلاحيتهم بتقاعدهم، بل على العكس تماماً، حيث تكون خبرتهم قد بلغت الذروة، وقمة التمرس، بما يمكنهم من الاستمرار في العطاء بوسائل مختلفة، كمستشارين مثلاً، أو مدربين أو مشرفين أو موجهين للأجيال الجديدة.

وهم ليسوا وحدهم في المجال، فكما نحتاج لعلماء الدين مثلاً على امتداد حياتهم، نحتاج أيضاً وبالأخص علماء الطب، كما نحتاج غيرهم من أصحاب التخصصات النوعية الأخرى، وإن بدرجات متفاوتة، ممن أمضوا أعمارهم في بناء الخبرة وتراكمها، وخدمة وطنهم ومجتمعاته.

أجزم أن العمر التقاعدي الافتراضي ليس نهاية المطاف، وإنما هو محطة من المحطات، ويستحق الأمر إعادة النظر لما بعد التقاعد، لا اعتراضاً على التقاعد، ولا دعوة إلى إبقاء الإنسان في وظيفته إلى ما لا نهاية، وإنما حتى لا نقول لمن أمضى ثلاثين أو أربعين عاماً في مهنة من المهن المذكورة خاصة: شكراً لك، انتهى دورك.

ربما انتهت علاقته بالمسمى الوظيفي، وانتهت ساعات الدوام، لكن هل انتهت خبرته؟ وهل تنتهي المعرفة بمجرد أن يُطوى ملفه الوظيفي؟

إن بعض أصحاب الخبرات في رأيي المتواضع، يبدأون بعد التقاعد من حيث انتهوا، أكثر نضجاً وفهماً ودراية، وقد تحرروا من أعباء الوظيفة اليومية وضغطها، وأصبح لديهم متسع من الوقت ليقدموا ما اختزنوه من معرفة وتجربة، بصورة أكثر هدوءاً واتزاناً، ويجب التفريق بين التقاعد من الوظيفة، والتقاعد عن العطاء، فالأول قد يكون ضرورة نظامية، أو خياراً شخصياً، أما الثاني، فتفرضه القيمة التي وصل لها ذلك الإنسان الذي يستحق أن يستفاد منه ما دام قادراً على العطاء وتقديم الخدمة في مجاله.

فالطبيب الذي قضى سنوات طويلة بين المرضى والطوارئ والعناية المركزة والحالات الحرجة والمعقدة، لا يحمل شهادة وتخصصاً فقط، بل يحمل إرشيفاً هائلاً من التجارب الإنسانية والمهنية، وهذا الأرشيف لا ينبغي أن يغلق لمجرد بلوغ صاحبه العمر التقاعدي، ولذلك يمكن للمؤسسات الصحية والجامعات ومراكز البحث والجهات المهنية أن تستفيد من هؤلاء كمستشارين ومتعاونين، أو مدربين وموجهين، حضورياً أو عن بُعد، وما أكثر ما نحتاج إلى أن المعرفة لا تأتي من الكتب وحدها، وإنما من التجربة والمواقف والقرارات التي اتخذت في أوقات لم تكن فيها الإجابة سهلة ولا الطريق واضحاً.

ولذلك، حين أرحب بالدكتور عبدالله العبيدان في نادي المتقاعدين، فإنني لا أراه قد غادر ميدان العطاء، بل أراه انتقل إلى ميدان أوسع، وأكثر رحابة وأقل ارتباطاً بساعات الدوام، وأعرف أن أبا محمد لن يكون من أولئك الذين يضعون عدَّتهم وعتادهم عند باب التقاعد ويقولون: انتهى كل شيء، فالرجل لديه ما يقوله، وما يكتبه، وما يقرأه، وما يحاضره، وما يشارك به الناس، ولديه قبل ذلك كله عقل حكيم، وقلب شغوف، وروح أديب وشاعر، وحضور اجتماعي لن يختفي بخروج بطاقة الوظيفة من جيبه، بل ربما سنكتشف أنه بعد التقاعد سيكون أكثر انشغالاً، وهذه ليست مبالغة، وإنما لمعرفتي بشخصية الرجل، وبأن أمثاله لا يطيقون الفراغ الطويل.

ولعل أجمل ما في هذه المرحلة أن الإنسان يبدأ في استعادة بعض الأشياء التي أخذتها منه الوظيفة طوال سنوات، القراءة بلا استعجال، والكتابة بلا موعد، واللقاءات بلا جدول، والمحاضرات التي يختار موضوعاتها بنفسه، والصداقات التي يمنحها من وقته ما كان يصعب عليه قبل ذلك.

لهذا نقول أن التقاعد فرصة لإعادة ترتيب الأوراق، لا لإلقائها في سلة المهملات، أن نبدأ شيئاً تأخرنا عنه، ونعود إلى أشياء أحببناها، ونكتب ما ظل مؤجلاً، ونقرأ ما لم يسعفنا الوقت لقراءته، ونمنح أبناءنا وأصدقاءنا ومجتمعنا شيئاً من الوقت الذي كنا نعتذر عن منحه طوال سنوات العمل.

أما الدكتور عبدالله العبيدان، فأقول له من موقع «الزمالة التقاعدية» الجديدة: أهلاً بك يا أبا محمد في النادي، ولكن لا تتوقع أن تجد فيه كرسياً مريحا، فأمامك كما كان أمامنا ولازال أشياء كثيرة لم نفعلها بعد، وكتب لم نكتبها، وأفكار لم نقلها، ولقاءات لم نعقدها، وربما قصائد لم تولد بعد.

فالتقاعد يا صديقي، ليس إغلاقاً لكتاب الحياة، وإنما قلب لصفحته، وما دام في القلب نبض، وفي العقل فكرة، وفي الروح شغف، فهذا يعني أن صفحة أخرى تستحق أن تكتب وتوثق.