كيف نتحدث مع أنفسنا؟

بدأ اﻷستاذ عباس حصته مع طلابه ذوي الست سنوات بتبادل نظرات ملؤها الحب وبابتسامة عريضة هادئة تدخل البهجة والرضا واﻷمل والطمأنينة في نفس كل من شاهدها.
وبدأ بحديثه اﻷبوي مع طلابه، حيث طلب منهم أن يساعدوه في تذكر البيانات اﻷساسية للدرس (اليوم/التاريخ/الحصة/المادة) وهو يسجل ويشكرهم على مساعدتهم له في ذلك.
بدأت أرى الحماس يدب في أعين الطلاب متشوقين لبدء الدرس، تمامًا مثل مجموعة من الجياع يشاهدون من يعد مائدة الطعام الشهي والمتنوع أمامهم ويريدون أن ينقضوا على المائدة ليأكلوا ما لذ وطاب منها، كنت أتساءل داخلي: "ما هو سرُّ هذا الحماس والدرس لم يبدأ بعد؟!"
طرح عليهم اﻷستاذ عباس السؤال التالي: كيف نستطيع الحصول على الرقم تسعة من مجموع رقمين؟
بدأت اﻷيدي ترتفع وتلوح بحماس، فاختار اﻷستاذ عباس أحد الطلاب ليجيب؛ قائلًا: من مجموع الرقمين ستة واثنين!
طبعًا كانت إجابته خاطئة، ولكن اﻷستاذ عباس شجعه وقال له: "أحسنت، لقد اقتربت كثيرًا، ولنستمع ﻹجابة أخرى من أحد زملائك".
وبدأ يتجول بنظره بينهم واختار طالبًا صغيرًا آخر، فأجاب إجابة صحيحة، وقال: "من مجموع أربعة وخمسة نستطيع الحصول على تسعة".. فشجعه وقال له: "أنت رائع"، واستمر في استثارة تفكيرهم بالسؤال: هل هناك إجابة صحيحة أخرى؟
وهنا قد بلغ الحماس غايته ومن شدة حماس أحد الطلاب أجاب إجابة (صحيحة) لكن دون أن يرفع يده مستأذنًا، فلم يعره اﻷستاذ عباس أي انتباه رغم إجابته الصحيحة، انتقل اﻷستاذ عباس إلى طالب جديد كان قد رفع يده يطلب اﻹجابة، وكانت إجابته صحيحة أيضًا، قال: "من مجموع اثنين وسبعة نحصل على تسعة يا أستاذ".. "أحسنت وفقك الله" قالها له اﻷستاذ عباس، واستمر في تلقّي اﻹجابات من طلابه.. والحقيقة لم يجب أحد منهم بعد ذلك دون أن يرفع يده ليأذن له اﻷستاذ عباس.
هنا اكتفي بما شاهدته في تلك الحصة الرائعة.. لقد شاهدت وتعلمت من اﻷستاذ عباس الكثير، وعرفت سر إقبال طلابه عليه وحماسهم الشديد لما يقدم.
إن السر وراء ذلك كله هو (الحب) نعم لقد أحب اﻷستاذ عباس طلابه فأحبوه، إن تجاوزه عن أخطائهم وتركيزه على الجميل واﻹيجابي فيهم أكسبه مكانة غالية وعالية جدًا لديهم.
ماذا يعني أن يجيب طالب إجابة خاطئة؟ لا مشكلة سيجيب آخر إجابة صحيحة.
ما المشكلة في أن نتجاوز عن خطإ المخطئ - كالذي أجاب دون استئذان - ولا نركّز على ذلك الخطإ؟ فسيعرف خطأه مع الوقت ويتعلم.
ولقد قادتني تلك المواقف الرائعة بين اﻷستاذ عباس وطلابه إلى الانتقال إلى التفكر والتأمل في أسلوبي وطريقتي في التعامل مع من حولي سواء في مجال العمل أو مع اﻷسرة أو حتى مع النفس.
هل أركز على اﻹيجابيات؟ أم أنا من الذين يركزون على السلبيات فقط؟!
ما أجمل أن نركز على اﻹيجابيات وننميها فبذلك سينتشر الحب بيننا ونصل إلى ما نريد بكل راحة.. وفي نظري أن حديثنا وتعاملنا مع أنفسنا لا يقل أهمية عن تعاملنا مع محيطنا الخارجي.
فهل فصل اﻷستاذ عباس هو ما يحدث داخل عقلك؟ أم تعامل ذلك المدير الفظ الغليظ الذي تكرهه هو ما يحدث داخله؟
هل تحب نفسك وتشجعها أم تجلدها؟
ليس من الغرور أن تشجع نفسك وتكافئها وتركز على أفعالها الرائعة وتتجاوز عن خطئها ، فالغرور أن تعتقد أنك أفضل من الجميع، أما حديثك اﻹيجابي مع نفسك فسيصل بك مع الوقت إلى الرضا، وهذا الرضا سيولد الثقة.
شكرًا للأستاذ عباس ولكل من ينشر الحب بيننا.
علي عبد الله الشهري
المساعد للشؤون التعليمية بمكتب القطيف



