من وحي دعاء اليوم العاشر من شهر رمضان.. حقيقة التوكل

"اللهم اجعلني فيه من المتوكلين عليك"
من النفحات والمكتسبات الرمضانية روح الثقة بالنفس والإقدام والثبات والطمأنينة، في عالم يعج بالمشاكل والصراعات والصعاب يغدو الحصول على أرضية من الاتزان المصحوب بهمة عالية في ميدان العمل؛ هو أقصى ما يأمله ويرجوه ويحتاجه كسلاح يجابه به الأزمات واللحظات الحرجة.
إن مبدأ التوكل على الله تعالى وتفويض الأمور كلها بيده بعد أن يأخذ بالأسباب المادية؛ إذ تتحد إرادة العبد ورغباته وفق ما يكتبه الله تعالى له غير آسف ولا واجد على حظوظ فاتته بعد أن قام بما يجب عليه، هي القوة التي يعتمدها في فكره وعمله.
التوكل على الله (عز و جل) ومضة يقين وطمأنينة بتصريف أمور حياته بحسب التدبير الإلهي وإن لم يوافق ما يريده، فينطلق بهمة عالية لتحقيق أهدافه فلا يكسر نفسه مواجهة صعوبة أو تعثر يصادفه.
ومن آثاره أن يبقى القلب متعلقًا وواثقًا بما عند الله تعالى، يقابله انصراف ويأس عما في أيدي الناس فلا يداهن ولا يجامل في سبيل تحصيل منفعة، بل يتحمل مسؤولية أي عمل أو قرار يتخذه معتمدًا بعد الله تعالى على قدراته، وأما من يتكئ في قضاء حوائجه على مساعدة الآخرين متعاجزًا فلن يصل يومًا إلى مراده؛ لأنه يصبح عالة ومصدر إزعاج لهم.
التوكل على الله تعالى لا يعني تخليًا عن الأخذ بالأسباب المادية، فيطلب رزقه ولا يبدي حراكًا ولا بحثًا، بل هو اليقين والثقة بما عند الله فلا يبالي بما يكون عليه نتاج سعيه بعد أن يبذل أقصى مجهوده، ولا يصيبه اليأس يومًا إن أغلقت أبواب الفرج والحل أمامه، بل يظل متعلقًا بالأمل وتغيير الواقع فيعمل ما بوسعه وفي نطاق إمكانياته وإن ضعفت الاحتمالات، فأي طمأنينة يمتلكها من فوّض أمره لله.
وتتجلى القيمة العالية للتوكل على الله في واقعنا ونحن نرى كل أسباب القلق والهواجس والاضطراب النفسي تحيط بنا، فأضحى هدوء النفس وراحة البال بعيد المنال، ويعاني البعض من أمراض نفسية جراء حسرته على حظوظ فاتته فلا يفارق مخيلته ما جرى له من خسارة أو أزمة، ويسيطر عليه القلق من أي مشكلة يمر بها وتوتره النظرة للمستقبل المجهول وما ستكون عليه أوضاعه، فالزمن المخيف الذي يفقد معه الإنسان الأمان في مختلف أبعاد حياته وعلاقاته بدأ يهيمن على تفكير الكثير مع كثرة المصاعب والمصائب التي تحل عليهم، فأنى له بما يهدئ روعه!
التوكل على الله تعالى واليقين بحكمته وعدله في تصريف أمور العباد هو ما يبعد عن المرء فكرة أشباح النحس، ويقهر فكرة اليأس وفقدان الأمل بتغيير حاله وتجاوز أية مشكلة يمر بها، فيمضي بكل همة في ميادين الحياة مهما تصاعدت موجة الأزمات، فروح الإيجابية والثقة بالله تساعده على مواجهة التحديات ومعالجتها، والتكيف مع الأوضاع الصعبة يعني تسليم أموره لله تعالى بعد بذل كل ما بوسعه.
والتحلي بالسلبية بحجة أن المتصرف بأمور العباد هو الله تعالى، وما يواجهه من ظروف صعبة قدر مكتوب عليه فلا مفر من ذلك، هذا التبرير للتعاجز والتواكل مفهوم خاطئ للإرادة الإلهية وتخلٍ من المرء عن مسؤولياته ودوره في الحياة، فعمله اختياري وليس بجبر له على شيء، والنتائج لأي عمل يقدم عليه هي خياره الوحيد وليس التواكل، وعليه الأخذ بالأسباب والعمل بشكل جدي لمواجهة مشاكله.
ومن ثمرات التوكل على الله تعالى أن يتحمل المرء مسؤولية قراراته وخطواته والتخطيط والإعداد لها، وبعد أن يقوم بما يجب عليه من مسؤوليات يعلق أمله بنجح مطلبه من عدم تحققه بالله (عز وجل)، وإن أخفق يومًا فهذا لا يعني أن تتملكه النظرة السوداوية، بل يعمل جاهدًا على دراسة الأمور واختيار المسار الأنسب، مبديًا رضاه بما تؤول له الأمور بعد أخذه بالأسباب، هذه هي الحقيقة الجلية والمشرقة لمفهوم التوكل ودوره الإيجابي في زرع الطموح والأمل في وجدان الإنسان.



