من وحي دعاء اليوم السادس عشر من شهر رمضان

بين رفقة الأخيار أو الأشرار: "وجنّبني فيه مرافقة الأشرار"
لا يخفى على أحد أهمية الصداقة ودور الصديق في رفد صديقه بشيء من فكره وسلوكه، وهذه الصحبة توجب تقاربًا في سلوكياتهما كلاهما متأثر بالآخر، وهذا التغيير قد يأخذ منحى إيجابيًا إن كان الصديق من أهل الصلاح والفكر الناضج، أو اتجاهًا سلبيًا غير مقبول إن رافق أهل السوء والشر والعدوان، ففي الدراسات الاجتماعية يشار إلى وجود الرفيق كعامل مهم في بث الأمل والطموح فيمن عانى الإخفاق وتسلل اليأس إلى قلبه، كما أن البعض من أهل الإيمان قد انقلب حاله وساء بسبب ملازمته لصديق سوء.
فالأبرار صحبتهم توجب إشراقة الفكر بعواقب الأمور، فلا يقدم على خطوة إلا ويسمع منه مشورة ونصيحة تبصره بالصورة الشاملة لما سيكون عليه موقعه وموقفه، ويبصره بعيوبه وأخطائه بروح المشفق المحب لا الحاقد الذي يروم فضيحته، فيلقي في سره عواقب فعله المشين وينهاه عن الاستمرار فيه، وفي المقابل لا يبخل عليه بتوجيه ينفعه ويرشده نحو عمل صالح وطريق نجاح يتبعه.
والأبرار معشرهم يذّكر بالله تعالى ويحيي القلب بمحضره العظيم، فمجالسهم لا تخلو من فائدة تدفعه في طريق التكامل والنجاح، ويكون عينه ووجوده إن غاب يومًا في مجلس ذكره أحد بسوء، فلا يقبل توجيه أي إساءة له ويعدها إساءة لشخصه، فيحفظ كرامته وسمعته ويصونها من أي خدش لجمالها.
وأما رفقاء السوء فلهم خطر وخيم على مختلف أبعاد حياة المرء، فلا دينه ولا تمسكه بالقيم الأخلاقية يمكنه أن يحظى بالثبات في بيئة موبوءة بآفات الانحراف، وصديق السوء لا يرجى منه أن يكون عينه الصادقة على أفعاله، فهل يمكنه أن يرفده بتوجيه نصيحة وهو فاقد لمعاني الاستقامة؟!
بل سيمارس معه الغش والخداع وتزيين المعصية والقبائح كأنه شيطان إنسي، ويجنّبه عن أهل الصلاح والفضيلة بحجج واهية تنتقصهم في فكرهم وفهمهم لدورهم في الحياة، فيزعم له أنهم معقدون ومتزمتون لا يعرفون سوى الطقوس الدينية ولا يحسنون شيئًا آخر، وهكذا زعم أنه سيلقى عنده قبولًا مع الأيام ويترسخ شيئًا فشيئًا في ذهنه!
وسلوك الجرأة الوقحة على فعل المعصية بلا خوف من الله تعالى، ولا مراعاة للقيم والآداب الاجتماعية حين يلحقه الخزي والانتقاص بعد نزعه لثوب الحياء، ولا يملك هذا المسكين معيارًا يبين له فداحة وسوء ما وصل إليه، فأينه من محاسبة النفس التي تكتشف له واقعه ويقف متأملًا وعازمًا على التغيير؟!
صديق السوء لا يخلص المودة لأحد بل يراعي مصالحه في كل علاقاته، فيستغل هذا المسكين في مآرب ومصالح خاصة متى ما تحصل عليها سيعتبره ورقة خاسرة ومحروقة، وعليه البحث عن آخرين، ولكنه لن يكتشف حقيقة خداعه إلا متأخرًا.
كما أن صديق السوء لا يؤتمن على شيء من أسراره وخصوصياته، بل إنه يستخدمها كورقة رابحة في علاقاته ولا يتردد في إخبار من له مصلحة بها.
لا نحتاج إلى كثير من التفكير والبحث عن صفات صديق السوء، فمن استشعرت بأنه بوق إغوائي عن صلاتك والمحافظة إليها، ومن رأيته لا يبالي بالموازين الشرعية في حديثه عن الآخرين أو في تعديه على الآخرين؛ فلا تأتمنه على دينك ونفسك فهو صديق سوء سيجرك نحو الشر والرذائل.



