من وحي دعاء اليوم الثامن عشر من شهر رمضان: نفحات إحياء السحر

"اللهم نبهني فيه لبركات أسحاره"
ما هي الخصوصية لهذا الوقت المتأخر من الليل حتى يقال عنه إنه صاحب ميزة خاصة أكثر من غيره؟
هذا الوقت الذي تخلد فيه الناس لراحة أبدانها، بعد جهد وتعب طوال اليوم في سبيل تحصيل لقمة العيش الحلال، فالليل سبات الأبدان وهدأة النفوس.
أما المؤمنون الذي تملكتهم مشاعر الشوق إلى مناجاة ربهم فإنهم ينتظرون تلك الساعات من الليل، والتي تهدأ فيها الحياة من الصخب والضجيج، فقد آن لأرواحهم أن تحظى براحتها بمناجاة ربهم وبث همومهم وشكواهم، ويأنسون بالوقوف بين يديه قد نالوا مقامًا عظيمًا هو مقام العبودية الحقة، فينير سرائرهم الثقة بالله تعالى وتدبيره لشئونهم بحكمته.
ولذا يحرص المؤمن على التعرض لنفحات ربانية يتجلي ويبرز فيها وميض الورع والخوف من الله تعالى، فيكتسبون المناعة الروحية أمام المغريات.
وبرنامج المؤمن العبادي لا يسير على وتيرة واحدة، بل يتنوع ما بين استغفار وتوبة مما اقترف من خطايا أو تقصير في واجب، ويلح في دعائه على طلب العطايا المعنوية كصفاء القلب، والخلاص من شح النفس والقوة في الطاعة وتجنب النزوات، ولذا يأتي التذكير في الدعاء الشريف بفيوضات هذا الوقت المبارك، والذي يكتسب فيه من الفضائل والمضامين المعنوية ما يعلي درجته في مسيره التكاملي.
ففي رحلة الوصال والانقطاع إلى الله تعالى يتخلى ويتحرر المؤمن من انشغال الفكر بمشاغل الدنيا ومتاعب السعي في رزقه، ويبقى قلبه متهيئًا لتلك الأجواء الروحية التي تغدق عليه الورع عن محارم الله تعالى، وهذا التوفيق للتهجد وإحياء الليل فرصة سانحة وهبة خاصة يمنحها الباري لعباده الصالحين، وعلى المؤمن شكر المنعم المتفضل عليه بأن جعله من المرحومين الذين يقومون ليلهم، فقيام الليل تعبير عن مدى محبة العبد لربه فيشتاق للقائه ومناجاته، ويجدها فرصة لمحاسبة نفسه ومراقبتها.
ومن تجليات قيام السحر هو تجلي روح الخشية من الله تعالى في أقواله وأفعاله وعلاقاته، فيستضيء في نهاره بنور صلاة الليل متنبهًا لئلا يزل أو يشط نحو الأخطاء، فيزن خطواته وقراراته وفق رضا المعبود متسلحًا بمخالفة هواه، فمن كان قلبه الإيماني حاضرًا استقبح المعايب والمنكرات وتنحى عن الاستجابة لها، فلا يغيب عنه أن هناك من الذنوب ما يحرمه من إحياء الله وبركات الأسحار.



