دِلوار

أوصت الأديانُ ودانَ القلبُ للأمِّ بالعاطفةِ والجهدِ الشاق حتى يكبرَ الصغير.. تَعُدَّ الأيامَ واللياليَ قبل أن يأتي وبعد أن يأتي تعد الساعاتِ سهرًا وعناءً تقيهِ الحرَّ والبردَ والجوعَ وتدفع عنه كُلَّ خطرٍ يستهدفه.
عرف البشرُ حق الأمِّ وجُلهم قال لها: "شكرًا" وتذكرها في الحياةِ وبكاها بعد النعي كما قال المتنبي:
أحِنّ إلى الكأسِ التي شرِبَتْ بها
وأهوى لمَثواها التّرابَ وما ضَمَّا
بَكَيْتُ عَلَيها خِيفَةً في حَياتِها
وذاقَ كِلانا ثُكْلَ صاحِبِهِ قِدْمَا
لم تغفلِ السماءُ الآباءَ أصحابَ الأقدامِ الخشنة والأيدي السمراء، تحت أقنعتهم الزائفة في القسوةِ قلوبٌ تَئنُّ من الرقة، يجوعونَ ويشبع الصغير، يعرونَ ويكسى، يعبرونَ البحارَ والحدودَ يبحثون عن قوتٍ له ويبقى الصغيرُ في الدار.. طائفةٌ منهم لا يعطيه القضاءُ فرصةَ العودة ويقول له: "قبرك ليس في وطنك".
عَمِلَ عندي "دلوار" في الثامنةِ والعشرين من عمره من بنجلاديش.. لم يعرف الغربةَ إلا بعد أن صار عنده ثلاثةُ صغارٍ يحتاجون الغذاءَ والمنزلَ والكساء، وَعَدَهُ الزمنُ بعملٍ يريحه من ضنكِ العيش ولكن تحت مقصلةِ الغربة، أيامُ شهر يونيو لم ترحم من سكن بلادنا ولا ترخي عنانها لمن جاء من بعيد ولا تسأله من أين أتيت.. أحرقته نارُ شمسنا والغربةُ فبكى ولم يكن العمل قاسيًا.
حَوَّلْتُ عيني عن دلوار ولم أنظر في وجهه عندما بكى، أيامٌ وينسى كُلَّ شيء وربما بلغ الستين من العمر وهو على أرضنا وتحت شمسنا.. كان الحديثُ لا يتعدى لغةَ الإنسانِ للإنسان في توفيرِ الإحساسِ بالأمنِ والراحة.. مر يومانِ وسألته لمَ تبكي؟ ألم تقل لي ليس عندك بيتٌ وليس عندك كهرباء وليس عندك عملٌ وقطعت البحرَ حتى يكون لك ما طلبت؟ نظر لي دلوار بعين احمرت من الدمعِ وقالت ما لم ينطق به لسانه: ليس عندي أي من متاعٍ الدنيا ولكن عندي ثلاثةٌ تركتهم وهل أستطيعَ تغيير طبعِ الإنسان، قَلَّبَ صورهم في يده وبكى.
جاء العيدُ ولم ينسَ دلوار الصغار فكان لابد من سبرِ صبرهِ على مرارة الفراق.. سألته هل ترغب في العودة؟ لكن إن أنتَ عدت ربما لن تحصل على فرصةٍ أخرى يكون لك فيها ما تريد؛ جاء صوته أَجَشَّ وأوضح: لا أريد العودة.. أريد أن يكون عليهم قمصانًا جديدةً في عيدِ الحج.. خَفَتَ الألمُ بعد مدة وجف الدمع وبقي في نفسه الأملُ أن يبني بيته ويكون لصغارهِ المسراتِ التي عند غيرهم.
تعودنا أن نرى في الآباءِ القوةَ والشدةَ ولكن تحت مخالبِ كُلٍّ منهم قلبُ أنثى.. ملايينٌ من الآباءِ يهجرون بلدانهم وتطول غربتهم لا يرون إلا أطيافَ صغارهم يبكون بصمت.. كم من مرةٍ سألت نفسي ماذا لو كنت أحدهم من فقراء العالم الذين رحلوا وتركوا أهلهم؟ الآن وأنا قد جفت أغصانُ شجرتي أقول: "رحماك يا رب، سؤال لم يضطرني الزمنُ للإجابة عليه؛ ماذا عنك؟ لو أصابك قانونُ التداول؛ ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، وقال لك كُلُّ القراطيسِ لن تنفعك؛ عليك العمل في ديارِ الغربة التي جاء منها دلوار وتعمل عنده رجاء قميصٍ جديد لصغاركَ في العيد، ماذا أنت صانع؟ صلي للربِّ الليلةَ ألا يكون، لا حصانةَ في تاريخِ الأممِ وسُنَنٌ لا يشذ عنها أحد...



