التوثيق الإلكتروني

التوثيق الإلكتروني وعلاقتنا مع الله إذ أصبحت علاقتنا بخالقنا موثقة بالرياء الإلكتروني بخلاف ما جاء في القرآن الكريم؛ حيث جسد القرآن الكريم حجم العلاقة بين العبد وربه الأعلى بقوله تعالى: ﴿قُل إِنّ صلاتي ونُسُكي وَمَحْيايَ وَمَمَاتي لله رَبِّ العالَمين﴾ [الأنعام: 162]. وهذه العبادات والشعائر كونها وقفات خالصة لله سبحانه ليس فيها غايات أخرى غير رضوان الله والاستجابة لأمره، ومن أجل ذلك تفقد هذه الفرائض طابعها العبادي إذا دخل إطارها رياء أو نحوه.
وهي ميزة لا تتحقق في أمور الحياة الإنسانية الأخرى وإن كانت سابحة في إطار من العبودية لله تعالى؛ فعلاقتنا مع الله تعتمد على الإخلاص في العبادة والعمل حيث إن الإخلاص يعتبر أحد شروط قبول الأعمال، ويقع الإخلاص من العمل كما هي الروح للجسد؛ فكما أن لا حياة للجسد إلا بالروح، فلا حياة في العمل ولا نفعًا فيه إلا بالإخلاص، لكن ما يحدث الآن في عصر التقدم الإلكتروني ووسائل الاتصالات الذكية فقد أفقد عبادتنا وأعمالنا الصالحة وعلاقتنا مع خالقنا صفة الإخلاص وأدخلنا في دائرة الرياء.
إذ أن الإخلاص هو فلترة وتصفية لأعمالنا التعبدية وممارستنا الحياتية، فصارت صلاتنا ودعاؤنا وزيارتنا وزكاتنا ومناجاتنا وحتى دموعنا وتذللنا لله توثق بالصور وتنشر عبر مواقع التواصل وتتداول وليس هناك خصوصية مع الله، فالعلاقة مع الله هي علاقة قلبية؛ قال تعالى: ﴿إلَّا مَنْ أتى الله بقلبٍ سليمٍ﴾ [سورة الشعراء: 89].
إذًا هناك استثناء لقبول العمل وهو القلب السليم المنقطع لله المفرغ من حب الدنيا وشهواتها فالله سبحانة جعل قبول العمل مخفيًا لم يطلع علية أحد إلا من ارتضى من رسول ليكون الإنسان في حالة رجاء وخوف. ولكي يتحقق الإخلاص في العمل لا بد من:
- أولًا: إخفاء الأعمال وعدم إظهارها وسلوك طريق المخلصين؛ فإنَّ أول ما ينبغي عليه القيام به هو إخفاء ما يقوم به من الصالحات ما دام ذلك ممكنًا؛ حيث إن المخلص الصادق لا يرغب أن يطَّلع أحدٌ من الناس على شيءٍ من عمله الصالح سواء كان ذلك العمل عظيمًا أم صغيرًا.
- ثانيًا: الخوف من الشُّهرة؛ وذلك بالفرَّار من الشهرة، عن طريق السرية في العمل بحيث لا تعلم شماله ما تنفق يمينة.
- ثالثًا: اتهام النفس بالتقصير في حق الله مهما قام به من أعمالٍ صالحة، حتى وإن أدى ما له وما عليه، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ وقد جاءت هذه الآيات في ذكر صفات المؤمنين حقًا أنهم يصومون ويصلُّون ويتصدقون، ثم بعد ذلك يخافون ألا يُتقبَّل ما سبق لهم من العمل.
- رابعًا: الزهد في مدح الناس واستخلاصه من القلب (لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس؛ إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت) يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «أين الذين أخلصوا أعمالهم لله، وطهّروا قلوبهم لمواضع نظر الله» لنسأل أنفسنا هل تحتاج علاقتنا بربنا أن نوثقها بالصور ومقاطع الفيديو؟! ألا يكفي أن هناك توثيقًا من قبل... كتاب لا يغادر كبيرة ولا صغيرة إلا أحصاها؟! قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [سورة الكهف: 49].
الصغائر مسجلة والكبائر مدونة، والعباد يقولون ويعملون، والكُتّاب من الملائكة يكتبون، ويوم القيامة يخرجون ما كانوا يحصون ويستنسخون، قال تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الجاثية: 29].
وأيضًا توثيق آخر قال تعالى: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عتيد﴾ [سورة ق: 18]، فلنحافظ على العلاقة القلبية بيننا وبين الله ونجعل لها طابع الخصوصية لا العمومية حتى لا تسلب منا نعمة القبول والرحمة الإلهية، لنتذكر ما جاء في دعاء كميل: اَللّهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ، اَللّـهُمَّ اغْفِـرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ النِّقَمَ، اَللّهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُغَيِّـرُ النِّعَمَ، اَللّـهُمَّ اغْفِرْ لي الذُّنُوبَ الَّتي تَحْبِسُ الدُّعاءَ، اَللّـهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ الْبَلاءَ، اَللّهُمَّ اغْفِرْ لي كُلَّ ذَنْب أذْنَبْتُهُ، وَكُلَّ خَطيئَة اَخْطَأتُها.. نسألكم الدعاء.



