الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ماذَا وجدَ من فقدكَ؟

أنيس آل دهيمالإثنين 12 أكتوبر 2026، 2:21 م
ماذَا وجدَ من فقدكَ؟

نؤجّل راحتنا كثيراً إلى موعد لم يأتِ بعد. نقول: حين يزداد دخلي سأطمئن، وحين أبلغ ما أريد سأرتاح، وحين تستقيم الظروف سأبدأ الحياة التي أستحقها. ثم يتحقق بعض ما تمنّيناه، فنفرح قليلاً، قبل أن يظهر مطلب جديد يعيدنا إلى الطريق نفسه. وهكذا تمضي الأيام، ونحن ننتظر من الدنيا أن تمنحنا لحظة لا ينقصها شيء.

أتأمل هذا الركض، فأجد أن الإنسان قد يتعب من الصورة التي رسمها لحياته بقدر ما يتعب من حياته نفسها. يريدها خالية من الخسارة، بعيدة عن القلق، دائمة الفرح، فإذا اعترضه حزن، شعر كأن الحياة أخلّت بوعد قطعته له، مع أنها لم تعده يوماً بهذا الكمال.

في تراث أهل البيت،

، نجد كلمات تعيد ترتيب علاقتنا بالدنيا، وتعلّمنا كيف نعيش فيها بوعي، وكيف نسعى دون أن تصبح أرواحنا رهينة لما نملك أو لما نفتقد.

يصف أمير المؤمنين الإمام علي،

، الدنيا بقوله: «دَارٌ بِالْبَلَاءِ مَحْفُوفَةٌ، وَبِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ، لَا تَدُومُ أَحْوَالُهَا، وَلَا يَسْلَمُ نُزَّالُهَا». وفي هذا الوصف دعوة إلى فهم طبيعة المكان الذي نعبره، فأحواله تتبدّل، وما نستند إليه اليوم قد يتغير غداً.

حين ندرك أن الدنيا دار ممر، نستطيع أن نحبّها دون أن نطالبها بالخلود، وأن نفرح بخيرها دون أن نظن أنه ضمان للمستقبل. نزرع، ونعمل، ونبني، ونرعى أحبتنا، مع إدراك أن قيمة العيش تتجاوز مقدار ما نستطيع الاحتفاظ به.

ولعلّ القناعة من أعمق المعاني التي يحتاج إليها إنسان هذا العصر. يقول الإمام علي، : «الْقَنَاعَةُ مَالٌ لَا يَنْفَدُ». إنّها غنى يتصل بنظرة الإنسان إلى نصيبه، وبقدرته على رؤية النعمة التي بين يديه، حتى وهو يسعى إلى تحسين ظروفه.

نفتح هواتفنا، فتدخل إلينا حياة الآخرين في أجمل صورها: بيت واسع، وسفر ممتع، ونجاح معلن، ووجوه مبتسمة. نقارن ذلك كله بتفاصيل حياتنا التي نعرف تعبها وخلافاتها وانتظارها، وأحزانها، فنخرج أحياناً بشعور مؤلم بأننا أقل حظاً. لقد قارنّا ظاهر حياة غيرنا بما نعرفه من حياتنا، ثم أصدرنا حكماً على أنفسنا.

وتعيدنا القناعة إلى ما غاب عن أعيننا: إلى يد تساعدنا، وإلى أهل يؤنسوننا، وإلى رزق يسدّ حاجة، وإلى قدرة على فعل خير. وقد يجتمع في الإنسان حزن عميق وامتنان صادق، يحزن على ما فقده، ويحمد الله على ما بقي له، دون أن يلغي أحد الشعورين الآخر.

أما الزهد، فأراه وعياً بقيمة الأشياء وحدودها. نحتاج إلى المال لنعيش بكرامة، لكن حاجتنا إليه قد تتحول إلى خوف دائم من النقص، أو رغبة لا تشبع في الزيادة. عندها يصبح السؤال ضرورياً: هل يخدم ما أجمعه حياتي، أم صارت حياتي كلّها في خدمته؟

يمكن للإنسان أن يطمح ويقنع في الوقت نفسه، يسعى إلى الأفضل، ويمنح يومه الحاضر حقه من التقدير. فالطموح يفتح طريقاً للمستقبل، والقناعة تحفظ القلب أثناء السير فيه.

ويتعمّق معنى الرضا حين نواجه ما لا نستطيع تغييره. وهو معنى لا يُختبر بالكلمات وحدها، فقد ينطق اللسان بالحمد، وتبقى العين دامعة، ويظل القلب يتعلم كيف يحمل وجعه. دمعة الأب على ولده لا تنفي إيمانه، واشتياقه إليه لا يسلبه رضاه. يستطيع أن يسلّم أمره إلى الله، وهو يشعر بثقل الغياب في كل زاوية من يومه.

وفي الدعاء المنسوب إلى الإمام الحسين، ، يوم عرفة، تأتي هذه المناجاة: «مَاذَا وَجَدَ مَنْ فَقَدَكَ؟ وَمَا الَّذِي فَقَدَ مَنْ وَجَدَكَ؟». إنها تفتح للقلب باباً إلى معنى يتجاوز ما تمنحه الأشياء، فحين يضيق العالم بالإنسان، يبقى له أن يلجأ إلى الله بضعفه وأسئلته وحنينه.

أرى أن السكينة تبدأ حين نتوقف عن اشتراط الفرح الدائم حتى نقبل حياتنا. نعطي الحزن مساحة، وللأمل مساحة، وللسعي غايته، وللروح حقها من الدعاء والتأمل. عندها تصبح لحظة بسيطة، كجلسة مع من نحب أو عمل ينفع إنساناً، جديرة بأن نعيشها بكامل انتباهنا.

لن تمنحنا الدنيا كل ما نرجوه، لكن يمكننا أن نغادر وهم انتظارها كاملة. نسعى بما نستطيع، ونحمد على ما نملك، ونستعين بالله على ما يؤلمنا، فتجد أرواحنا موضعاً للراحة في الطريق، قبل أن ينتهي الطريق.