الخميس 15 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

حين يكون الوطن هو الجواب

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم · صحيفة اليومالخميس 15 أكتوبر 2026، 1:08 م
حين يكون الوطن هو الجواب

أنا بنت هذا الوطن. أعرفه في وجوه أهلي، وفي لهجات أحبها وإن اختلفت عن لهجتي، وفي مدن أشعر أن لي فيها أهلًا قبل أن أعرف أحدًا من سكانها. أعرفه في دعاء الأمهات، وفي تعب الآباء، وفي طموح الشباب، وفي راية خضراء يكفي أن أراها بعيدًا عن البلاد حتى أشعر أن شيئًا من بيتي قد وصل إليّ. وحين يقلق الوطن، يمتد القلق إلى قلبي، وحين يطمئن، أستعيد طمأنينتي معه.

نعيش أعوامًا ونحن نعد الأمان جزءًا مألوفًا من يومنا. نخرج إلى أعمالنا، ونخطط لسفرنا، ونرتب مناسباتنا، ونختلف على تفاصيل كثيرة، لأن أرضًا مستقرة تمنحنا مساحة لكل ذلك. ثم تأتي بعض الظروف لتذكرنا بقيمة ما نعيشه من استقرار، وتلفت أنظارنا إلى الجهود التي تقف وراء هذه الحياة التي نحبها؛ جهود الدولة ومؤسساتها والعاملين فيها، الذين يسهمون في خدمة المجتمع والمحافظة على استقراره. فلكل صباح مطمئن جهود متواصلة، ولكل حياة مستقرة مقومات تستحق التقدير.

وحين تضيق الظروف، تتسع قلوب الناس لبعضها. تتوالى الاتصالات: أين أنتم؟ هل وصلتم؟ هل تحتاجون شيئًا؟ نطمئن على قريب، ونسأل عن زميل، ونتابع خبر مسافر، ونشعر بمن تعطل طريقه أو تأخر وصوله. يصبح الاهتمام بالآخرين أكبر، وتتحول المساعدة إلى استجابة تلقائية. هنا تظهر متانة المجتمع في استعداد الإنسان لأن يساند أخاه، وأن يخفف عنه، وأن يشعره بأنه بين أهله.

الظروف تعزز تلاحمنا الوطني، وتبرز متانة ما يجمعنا. يعود الجار جارًا، والمواطن أخًا، والمدينة البعيدة جزءًا من بيتنا الكبير. ندرك أن سلامة أي بقعة من بلادنا تعنينا جميعًا، وأن ازدهار مناطقها وتقدمها مصدر اعتزاز لكل أبنائها. فاستقرار الوطن أساس حياة أبنائه، والمستقبل الذي نعمل له يتسع لنا حين نساهم معًا في بنائه والمحافظة على مكتسباته.

وفي وسائل التواصل، يلفتني حضور العلم السعودي، وما يظهر من تعبيرات عن الاعتزاز بالوطن والدعاء له. كأن الصفحات، على اختلاف أصحابها، وجدت في هذه المشاعر مساحة مشتركة للتعبير عن الانتماء. راية واحدة تجمعنا، وتحمل معاني الاعتزاز بتاريخ البلاد وحاضرها ومستقبلها. وفي هذه الصورة دفء يشبه أن ترى أفراد الأسرة يقتربون من بعضهم، ويحرصون على ما يجمعهم.

أفهم هذا التلاحم بوصفه تعبيرًا عن الوفاء والانتماء والشعور بالمسؤولية المشتركة. ونعتز بما تنعم به بلادنا من استقرار، وندرك أهمية مواصلة العمل بحكمة ووعي، وتقدير الجهود التي تسهم في خدمة الوطن وتحقيق تطلعات أبنائه. وفي مختلف الظروف، تتجلى هذه المعاني في تعاون الناس، والتزامهم، وحرصهم على مصلحة بلادهم. إنه انتماء تحمله القلوب، وتؤكده المواقف حين يحين وقت المسؤولية.

وحب الوطن يضع على كل واحد منا واجبًا يناسب موقعه. أحمله أنا في أمانة الرعاية بوصفي طبيبة، ويحمله المعلم في طمأنة طلابه، والإعلامي في دقة كلمته، والموظف في استمرار خدمته، ورب الأسرة في حفظ سكينة بيته. ونحمله جميعًا حين نتثبت من الأخبار، ونلتزم بالتوجيهات، ونتجنب نشر الشائعات، ونحرص على تداول المعلومات من مصادر موثوقة. الكلمة مسؤولية، والوعي سند، والانضباط قيمة تسهم في خدمة الوطن.

خلف كل مهمة رجل أو امرأة، وخلفهما بيت يحب ويساند ويدعو. وحين نعبر عن انتمائنا لوطننا، فإننا نعبر أيضًا عن تقديرنا لهذه الجهود، ونؤكد أهمية أن يؤدي كل منا دوره بأمانة وإخلاص.

أنا بنت السعودية، ومعها قلبي وموقفي ودعائي.