من لا أخلاق له.. لا وجود له


في إحدى اللحظات الهادئة، جلس إلى جانبي صديقي سعيد، وأراني رسالةً وصلته من أحد أصدقائه، ثم قال بنبرة يملؤها الأسى:
— يا مصطفى، أشعر أن هذا الشخص يتعامل معي ببرود، وكأنني لا أزن عنده شيئًا!
فأجبته برفق:
— وما الذي جعلك تشعر بذلك يا سعيد؟
فقال متأثرًا:
— طريقة ردّه! كلمات جافة، تخلو من الود والاهتمام.
ابتسمت وقلت له:
— يا صديقي، هل فكرت يومًا أن الكلمات المكتوبة صامتة؟ لا تحمل نبرة صوت، ولا ملامح وجه، ولا ابتسامة عابرة. أحيانًا نقرأ الكلمات من خلال مشاعرنا، لا من خلال مقاصد أصحابها، فنُحمِّلها معانيَ لم تخطر على بال قائلها. لذلك، لا تتعجل في الأحكام، ولا تجعل من كل كلمة بابًا مفتوحًا للعتاب.
وقفة لطيفة في عالم الرسائل
من الجميل أيضًا، حين نتراسل عبر الرسائل المكتوبة، أن نحسن اختيار كلماتنا، وأن نستعين بالرموز التعبيرية المناسبة التي تضيف شيئًا من الود إلى الكلمات، وتخفف ما قد يُفهم منها من جفاء أو برود؛ فبعض الرسائل قد تكون نيات أصحابها طيبة، لكن افتقارها إلى عبارات الود يجعلها تبدو جافة أو خالية من الاهتمام.
فلنجعل كلماتنا جميلة، وتواصلنا مليئًا باللطف والاحترام؛ فالمعاملة الحسنة في متناول الجميع، ولا تحتاج إلى مال أو إمكانات، وإنما تحتاج إلى قلب طيب، ونفس كريمة، ورغبة صادقة في إسعاد الآخرين.
قل الكلام الجميل، وتدرّب على اللطف حتى يصبح عادة فيك؛ فإنك إذا عوّدت لسانك على الكلمة الطيبة، اعتادت القلوب حضورك، وأصبحت مصدر محبة وراحة وطمأنينة أينما حللت.
فما أجمل أن يكون الإنسان طيب الأثر في القلوب، يستبشر الناس برسالته، ويرتاحون إلى حديثه، ويجدون في معاملته شيئًا من أخلاق محمد وآل محمد

.
وما هي إلا لحظات حتى رنّ هاتف سعيد مجددًا، وكان المتصل هو الشخص ذاته. تحدث معه بصوت مرتفع قليلًا، فازداد سعيد توترًا، والتفت إليّ قائلًا:
— أرأيت يا مصطفى؟ حتى نبرة صوته توحي بأنه لا يحترمني!
فوضعت يدي على كتفه وقلت له بهدوء:
— تمهّل يا سعيد؛ فارتفاع الصوت ليس دليلًا قاطعًا على الغضب أو نية الإساءة. ربما أنهكته متاعب الحياة، أو شغله أمر طارئ، أو كانت هذه طريقته المعتادة في الحديث. نحن لا نعلم ما تخفيه القلوب، ولا نحيط بظروف الآخرين؛ فلا تجعل الاحتمال حقيقة، ولا التفسير حكمًا نهائيًا.
ثم قلت له:
— يا سعيد، حين يغضب الإنسان، قد تكون المسافة بينه وبين الآخر قريبة، لكن القلوب تكون قد ابتعدت. فيرفع كلٌّ منهما صوته، وكأنه يحاول أن يملأ بصراخه المسافة التي اتسعت بين قلبيهما، ويُسمِع الآخر ما يشعر به من ألم، لأنه يظن أنه لا يسمعه أو لا يشعر به. لكن القلوب لا تتقارب بالصراخ، بل بالهدوء والرفق وحسن الإصغاء.
ثم أضفت:
— أتذكر موقفًا مررت به في أحد المجالس؟ أقبلت على أحدهم بكل محبة وشوق لأصافحه، فإذا به يرفع يده مع يدي أثناء المصافحة بمحاذاة صدري، ويدفعني إلى الخلف!
تألمت كثيرًا من ذلك الموقف، وشعرت بانزعاج شديد، لكنني جاهدت نفسي لأحافظ على هدوئي وابتسامتي طوال الجلسة، وألا أسمح للغضب بأن يقود تصرفاتي.
سألني سعيد بدهشة:
— ولماذا لم تغضب يا مصطفى؟!
فأجبته:
— بلى، تألمت وتأثرت، فهذا شعور بشري طبيعي. لكنني تعلمت درسًا لا يُقدّر بثمن: ليس كل ما يؤلمنا يستحق أن نخسر لأجله هدوءنا وأخلاقنا. لم أجزم بنيته، ولم أسمح للموقف أن يسلبني أدبي وأخلاقي. فالإنسان يستطيع أن يحفظ كرامته، وأن يعبّر عن حقه متى احتاج، دون أن يتخلى عن حسن خلقه.
فليس المطلوب أن ننكر مشاعرنا أو نتظاهر بأننا لا نتألم، وإنما أن نتعلم كيف نتعامل مع الألم بوعي، وألا نحمله في صدورنا، أو نحوّل لحظة انزعاج إلى خصومة، أو نسمح لتصرف عابر بأن يغيّر أجمل ما فينا، فأنت بالهدوء والأخلاق الحسنة تشتري سلامة روحك وبدنك.
أشرقت عينا سعيد، وقال:
— إذن، المطلوب أن نتأنّى قبل أن نفسّر تصرفات الآخرين، وأن نضبط أنفسنا حين نغضب؟
فقلت له:
— نعم يا صديقي، وأن نمنح المواقف مساحة للفهم قبل أن نمنحها أحكامنا. وهذا ما يؤكد عليه دائمًا سماحة العلامة الوالد والمربي الفاضل الشيخ محمد كاظم الجشي، حفظه الله ورعاه، حين يوصينا بلزوم الهدوء، والتحلي بأخلاق محمد وآل محمد، والابتعاد عن العصبية والحساسية.
ثم تابعت حديثي مع سعيد:
— يا حبيبي، قد يظن بعض الناس أن حسن الخلق مجرد أسلوب اجتماعي جميل، لكنه أعمق من ذلك بكثير؛ فهو تعبير عن إيمان الإنسان وتربيته ومجاهدته لنفسه. وقد ورد:
عن الإمام الحسين

أنه قال: «الخُلُقُ الحَسَنُ عِبَادَةٌ».
حين نتعامل مع الناس برفق، ونكظم غيظنا، ونختار الكلمة الطيبة بدلًا من الجارحة، فإننا لا نحافظ على علاقتنا فحسب، بل نجعل من أخلاقنا بابًا للقرب من الله سبحانه وتعالى.
فليس من الصعب أن نحسن التعامل مع من يوافقنا ويحبنا، وإنما يظهر جمال أخلاقنا حين نختلف، أو نتعرض لموقف يزعجنا، أو نواجه كلمة لا تعجبنا. هناك تحديدًا تأتي مجاهدة النفس، ويظهر أثر التربية الروحية.
إن الهدوء يمنحنا فرصة للتفكير، والأخلاق الحسنة تساعدنا على حسن تقدير المواقف، والحلم يعيننا على ضبط أنفسنا حتى في الظروف الصعبة. وحين نختار الكلمة الطيبة، ونتعامل برفق وحكمة، فإننا نمنح الآخرين فرصة لفهمنا، ونحفظ أنفسنا من التعب الذي تصنعه الظنون والتفسيرات المتعجلة.
وقد دلّنا القرآن الكريم على هذا الأدب الرفيع بقوله تعالى:
﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ [سورة الإسراء، الآية 53].
فكم من علاقة طيبة أفسدها سوء الظن! وكم من موقف عابر كان يمكن تجاوزه بسؤال هادئ، أو كلمة طيبة، أو تأجيل الحكم حتى تتضح الحقيقة وتطمئن النفوس!
إننا لا نستطيع التحكم في جميع تصرفات الآخرين، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نستجيب لها، وأن نحفظ سلامة صدورنا، وألا نجعل ما نجهله سببًا للعداوة.
وإذا تكرر موقف مؤذٍ، أو تجاوز أحدهم حدود الاحترام، فإن حسن الخلق يدعونا إلى التعامل بحكمة، ووضع حدودنا بأدب، والتعبير عن موقفنا بوضوح، دون تجريح أو انتقام، وألا نسمح للأذى بأن ينتزع منا أجمل أخلاقنا.
يا صديقي، نحن بحاجة إلى أن نجاهد أنفسنا قبل أن نحاكم الآخرين، وأن نراجع تفسيراتنا قبل أن نعاتب، وأن نتذكر أن وراء كل إنسان ظروفًا لا نعرفها، ومشاعر لا نراها، وقصة قد لا نحيط بتفاصيلها.
ولعل أجمل ما نهديه إلى بعضنا ليس شيئًا نشتريه، بل خُلُقًا نتحلى به، ورحمةً نظهرها، وكلمةً طيبةً نترك أثرها في القلوب.
لنتهادى الهدوء حين نستفز، والحلم حين نغضب، وحسن الظن حين تتعدد الاحتمالات، والكلمة الطيبة حين نكون قادرين على الرد القاسي.
لنتهادى أخلاقًا تجعل مجالسنا أكثر محبة، وعلاقتنا أكثر صفاءً، وقلوبنا أوسع عذرًا ورحمة.
فالأخلاق الحسنة ليست ضعفًا، والهدوء ليس عجزًا، بل هما من علامات الوعي وقوة النفس ونور البصيرة. وما أجمل أن يخرج الإنسان من كل موقف محافظًا على هدوئه، نقيّ القلب، طيب اللسان، لا يحمل في صدره عداوةً لمجرد ظن، ولا يسمح لأحد أن يحرمه جمال أخلاقه.
فلنتهادى أخلاق محمد وآل محمد ؛ فبها تقترب القلوب، وتطمئن النفوس، وتصبح الحياة أجمل.
أهل البيت مدرسة الأجيال، لسماحة العلامة والمربي الفاضل، الشيخ محمد كاظم الجشي حفظه الله ورعاه.
والحمد لله رب العالمين.



