السبت 17 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الوطنُ والوالدان حُبٌّ لا يُنافِس، وحِضنٌ لا يُساوَم

الدكتور ماهر آل سيفالسبت 17 أكتوبر 2026، 1:29 م
الوطنُ والوالدان حُبٌّ لا يُنافِس، وحِضنٌ لا يُساوَم

الوطنُ روحٌ تسكننا، وأمانٌ يحتضننا، وحنانٌ يرافقنا، وإن ابتعدنا عنه ظلّ في القلب موطننا. وليس الوطنُ حدودًا على الخريطة، بل حدودُ الطمأنينة في الصدور، وجذورُ الانتماء في الشعور، وملاذُ الإنسان إذا جار الزمان، وضاقت به الدروب والدهور.

الوطنُ كالوالدين؛ يحبّان لك التفوّق دون منافسة، ويتمنّيان لك الرفعة دون مزاحمة، ويفرحان بنجاحك دون مصلحة، ويحرصان على مستقبلك دون مِنّة. قد يشتدّ توجيههما حينًا، وقد يثقل عليك نصحهما زمنًا، ولكنّ غايتهما إصلاحٌ لا إضرار، وبناءٌ لا انكسار، وإرشادٌ إلى الرشد لا دفعٌ إلى الضياع.

وكذلك الوطن؛ قد يُنظّم فيُلزم، ويُشرّع فيحزم، ويُوجّه فيُقوّم، لا ليُضيّق عليك الحياة، بل ليحفظ الحقوق، ويصون الأرواح، ويقيم ميزان العدل والإصلاح.

الوطنُ كالوالدين؛ لا ينتظر دائمًا أن تطلب منه العون، فقد يسبق حاجتك بالعطاء، ويُهيّئ لك أسباب الرخاء، ويُشيّد لك المدارس والمستشفيات والطرق، ويُسخّر لحمايتك الساهرين على الحدود، والعاملين في الميادين، والمخلصين في مختلف الشؤون. خدماتٌ تعتادها حتى تنسى قيمتها، ونِعَمٌ تألفها حتى تغفل عن عظمتها، وأيادٍ تعمل في الخفاء ليبقى صباحك مفعمًا بالرجاء.

وحين تتعثّر بك الأيام، أو تضيق عليك الأحوال، قد لا ترى كلّ ما يُبذل لتخفيف الأثقال؛ ولكنّك تشعر أن خلفك وطنًا لا يتخلّى عنك، ومؤسساتٍ تعمل لأجلك، وقيادةً تسعى إلى أمنك واستقرارك ومستقبلك.

وكما يجمع الوالدان أبناءهما على المودّة، ويزرعان بينهم المحبّة، ويرفضان أن تُفسد الفرقة أُخوّتهم؛ فإن الوطن يجمع أبناءه على اختلاف مناطقهم وأصولهم، ويصون وحدتهم بتكامل حقوقهم وواجباتهم، فلا فضلَ لمواطنٍ على مواطنٍ إلا بما يُقدّمه من إخلاصٍ وإحسان، وما يبذله من عطاءٍ وإتقان.

ولذلك لم يكن الأمنُ نعمةً عابرة، بل أساسَ الحياة العامرة؛ قال تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4]. فقد جمع الله بين القوت والأمان؛ لأنّ رغيفًا بلا أمنٍ مرارة، ومالًا بلا طمأنينةٍ خسارة، وعمرانًا بلا استقرارٍ عُرضةٌ للانهيار.

ولقد أدرك رسول الله ﷺ عظمةَ الانتماء إلى الأرض، فدعا قائلًا: «اللهم حبِّب إلينا المدينة كحبِّنا مكة أو أشد»؛ رواه البخاري. فحبُّ الوطن ليس شعارًا تردّده الألسن، بل شعورٌ تُصدّقه المواقف، ووفاءٌ تُثبته الأعمال.

الغنيُّ بلا وطنٍ فقيرُ السكينة، والقويُّ بلا وطنٍ ضعيفُ الظهير، والشجاعُ بلا وطنٍ قد تُطارده مخاوف المصير. فالوطنُ ليس ما تملكه من عقار، بل ما تملكه فيه من استقرار، وليس ما تجمعه من أموال، بل ما تشعر به من أمنٍ حين تتقلّب الأحوال.

غير أن الوطن، كالأبوين، لا تكتمل علاقته بأبنائه بالأخذ دون العطاء، ولا بالمطالبة دون الوفاء؛ فحبُّه ليس كلماتٍ على المنابر، ولا راياتٍ في المناسبات، بل إخلاصٌ في العمل، وأمانةٌ في المسؤولية، وإتقانٌ في الصناعة، وصدقٌ في التجارة، ورحمةٌ بين الناس، ومحافظةٌ على المكتسبات.

وفي وطننا المملكة العربية السعودية، تتضاعف المسؤولية، وتتجدّد مع مسيرة البناء والتنمية، في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان؛ فكلُّ إنجازٍ يُعزّز قوة الوطن، وكلُّ مواطنٍ يُتقن عمله يُسهم في صناعة غده.

ولقد دعا إبراهيم

: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: 35]، فبدأ بالأمن؛ لأنه أصلُ الاطمئنان، وحارسُ العمران، ومفتاحُ الرخاء للإنسان.

وأخيرًا، قد ترحل عن بيت والديك، لكنّ محبّتهما لا ترحل عنك، وقد تغادر حدود وطنك، لكنّ انتماءك لا يغادرك.

فالوالدان وطنُ الإنسان الأول، والوطنُ حضنُه الأكبر؛ كلاهما يمنحك الجذور قبل الثمار، ويُعلّمك الوقوف قبل المسار، ويرجو أن تكون أفضل مما كنت، وأقوى مما ظننت، وأعظم مما حلمت.

فاحفظ وطنك كما تحفظ برَّ والديك، واخدمه كما تحبّ أن يخدمك أبناؤك؛ فمن فقد والديه عرف قيمة الحنان، ومن فقد وطنه عرف أن أعظم الثروات ليست في الخزائن، بل في الأمان.

حفظ الله وطننا، وأدام عزّه وأمنه واستقراره؛ فهو ليس مجرد أرضٍ نعيش عليها، بل كرامةٌ نعيش بها، وانتماءٌ نحيا له، وأمانةٌ نتركها لأبنائنا من بعدنا.